أعوزهم السبب وضاقت بهم السبل، ونفدت منهم الحيل، وجب عليهم أن يلجؤوا
إليه، ويعولوا في أمرهم عليه، ويخصوه بالدعاء، ويقصروا عليه الرجاء عسى أن
يهديهم إلى ما جهلوا من الأسباب، أو يخفف عليهم ثقل ما حملوا من الأوصاب، ولم
يأذن لهم أن يدعوا من دونه أحدا، ولا أن يطلبوا منه عونا أو مددا أما تقرأ ما أمر به
خاتم أنبيائه، وصفوة أصفيائه {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا
أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا
* إلا بلاغا من الله ورسالاته} (الجن: 20- 23) ، فإذا كان خاتم النبيين
والمرسلين، لا يملك للناس ضرا يدفعه، أو نفعا يرفعه، أو رشدا يهدي به القلوب،
بل يملك التبليغ للرسالة فقط، وهو فيما عدا ذلك بشر مثلكم، فماذا تقول بغيره
ممن يطلب منهم ذلك؟
أما الحكمة في جعل قبض الأرواح موكولا إلى ملك الموت، فهي داخلة في
الحكمة العامة في ربط الأسباب بالمسببات، وجعل الأرواح اللطيفة عاملة في
الأجسام الكثيفة، وعلى طالب الحكمة أن يعرف ذلك، فمتى عرفه أو عرف منه،
لم يقل: لم كان كذلك؛ لأنه يشاهد أنه منتهى الكمال في الإبداع، كما أن منتهى الجهل
في الناس أن يظنوا أن خلق كل شيء آنفا هو أدل على كمال قدرة الخالق، كما
تخيلت القدرية، كأن هؤلاء الجاهلين يرون أن الحكمة والنظام ينافيان كمال القدرة،
تعالى الله عن جهلهم.
***
قيام الدين بالدعوة
وحديث (أمرت أن أقاتل الناس)
(س15) الإسلام كما لا يخفى عليكم، قام بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
لا بالسيف والقوة، كما يعتقد الكثير من أصدقاء الدين الجهلاء، وكيف يجامع هذا
قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله،
فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) فإنه صريح في أن القتال كان
للحمل على الدخول تحت لواء الإسلام؟
(ج) أما كون الإسلام قام بالدعوة لا بالسيف قطعي لا ريب فيه. وأما
الحديث فقد ورد في مشركي العرب الذين لم تقبل منهم الجزية بعد الإذن بقتالهم،
وما أذن للمسلمين بقتالهم إلا بعد أن آذوا النبي ومن معه، وأخرجوهم من ديارهم
وأموالهم، وقعدوا لهم كل مرصد، ووقفوا في سبيل الدعوة، فلم يكن الإذن إلا
للدفاع عن الحق، وحماية الدعوة كما بيناه مرارا، وليس الغرض من الحديث بيان
أصل مشروعية القتال، فإن هذا مبين في الكتاب العزيز بمثل قوله تعالى: {أذن
للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج: 39) الآيات،
وقوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ (البقرة: 190)
الآيات، وإنما الغرض منه بيان أن قول لا إله إلا الله كاف في حقن الدم، وإن لم يكن
القائل لها من المشركين معتقدا؛ لأن الأمر في ذلك يبنى على الظاهر، وهذا بالنسبة
إلى وقت القتال، ولكنه بعد ذلك، يؤمر بالصلاة والزكاة، فإن امتنع عن قبولهما لا
يعتد بإسلامه، كما يؤخذ من رواية (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) وهو في الصحيحين على غرابته؛ لأن شعبة
تفرد بروايته عن واقد وقد عد من الإشكال فيه أن يكون راويه ابن عمر مع ما علم من
محاجة عمر لأبي بكر في قتال مانعي الزكاة، ولم يحتج به عمر، ولا ابنه قاله له.
وأجاب ابن حجر عن هذا باحتمال نسيان عبد الله له في ذلك الوقت. ومما يؤيد قولنا
أن الحديث خاص بالمشركين وإن كان لفظه عاما؛ رواية النسائي له بلفظ: (لا
أمرت أن أقاتل المشركين) ، وقد علمت أن المراد بيان غاية القتال لا مشروعيته،
وأن سبب مشروعيته الدفاع وتأمين الدعوة ومنع الفتنة، لا الإكراه على الدين المنفي
بنص القرآن الحكيم.
***
الاضطهاد في الدين وقتل المرتد
(س16) إذا كان الإسلام لا يضطهد أحدا لعقيدته، فكيف يشرع قتل المرتد