﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ هم الذين هاجروا حين قوي الإسلام، أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل: إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن ﴾ أي لإخواننا في الدين. ﴿ ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين ءامنوا ﴾ حقدا لهم. ﴿ ربنا إنك رءوف رحيم ﴾ فحقيق بأن تجيب دعاءنا.
59.11-17
﴿ ألم تر إلى الذين نفقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب ﴾ يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة. ﴿ لئن أخرجتم ﴾ من دياركم. ﴿ لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم ﴾ في قتالكم أو خذلانكم. ﴿ أحدا أبدا ﴾ أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ لنعاوننكم. ﴿ والله يشهد إنهم لكذبون ﴾ لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال:
﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ﴾ وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. ﴿ ولئن نصروهم ﴾ على الفرض والتقدير. ﴿ ليولن الأدبر ﴾ انهزاما. ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد بل يخذلهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين.
﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول. ﴿ فى صدورهم ﴾ فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين. ﴿ من الله ﴾ على ما يظهرونه نفاقا فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار مرهبة الله. ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى.
﴿ لا يقتلونكم ﴾ اليهود والمنافقون. ﴿ جميعا ﴾ مجتمعين متفقين. ﴿ إلا فى قرى محصنة ﴾ بالدروب والخنادق. ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لفرط رهبتهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال. ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. ﴿ تحسبهم جميعا ﴾ مجتمعين متفقين. ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم. ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.
﴿ كمثل الذين من قبلهم ﴾ أي مثل اليهود كمثل أهل بدر، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير، أو المهلكين من الأمم الماضية. ﴿ قريبا ﴾ في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل. ﴿ ذاقوا وبال أمرهم ﴾ سوء عاقبة كفرهم في الدنيا. ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ في الآخرة.
﴿ كمثل الشيطن ﴾ أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان. ﴿ إذ قال للإنسن اكفر ﴾ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور. ﴿ فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العلمين ﴾ تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال.
﴿ فكان عقبتهما أنهما فى النار خلدين فيها وذلك جزاء الظلمين ﴾ والمراد من الإنسان الجنس. قيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر
لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم
[الأنفال: 48] الآية. وقيل راهب حمله على الفجور والارتداد وقرىء ﴿ عقبتهما ﴾ و «خالدان» على أنه خبر إن و ﴿ فى النار ﴾ لغو.