لأغوينهم
[ص: 82] ﴿ فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ﴾ إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه، وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون.
﴿ وما كان له عليهم من سلطن ﴾ تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. ﴿ إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك ﴾ إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا يترتب عليه الجزاء، أو ليتميز المؤمن من الشاك، أو ليؤمن من قدر إيمانه ويشك من قدر ضلاله، والمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة، في نظم الصلتين نكتة لا تخفى. ﴿ وربك على كل شىء حفيظ ﴾ محافظ والزنتان متآخيتان.
﴿ قل ﴾ للمشركين. ﴿ ادعوا الذين زعمتم ﴾ أي زعمتموهم آلهة، وهما مفعولا زعم حذف الأول لطول الموصول بصلته والثاني لقيام صفته مقامه، ولا يجوز أن يكون هو مفعوله الثاني لأنه لا يلتئم مع الضمير كلاما ولا ﴿ لا يملكون ﴾ لأنهم لا يزعمونه. ﴿ من دون الله ﴾ والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال: ﴿ لا يملكون مثقال ذرة ﴾ من خير أو شر. ﴿ في السموات ولا فى الأرض ﴾ في أمر ما وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة للشر والخير سماوية وأرضية والجملة استئناف لبيان حالهم. من شركة لا خلقا ولا ملكا. ﴿ وما لهم منهم من ظهير ﴾ يعينه على تدبير أمرهما.
﴿ ولا تنفع الشفعة عنده ﴾ فلا ينفعهم شفاعة أيضا كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله. ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ أذن له أن يشفع، أو أذن أن يشفع له لعلو شأنه ولم يثبت ذلك، واللام على الأول كاللام في قولك: الكرم لزيد وعلى الثاني كاللام في قولك: جئتك لزيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة.
﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظارا للإذن أي: يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإذن، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمنا. وقرأ ابن عامر ويعقوب ﴿ فزع ﴾ على البناء للفاعل. وقرىء «فرغ» أي نفي الوجل من فرغ الزاد إذا فني. ﴿ قالوا ﴾ قال بعضهم لبعض. ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ في الشفاعة. ﴿ قالوا الحق ﴾ قالوا قال القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وهم المؤمنون، وقرىء بالرفع أي مقوله الحق. ﴿ وهو العلى الكبير ﴾ ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه.
﴿ قل من يرزقكم من السموات والأرض ﴾ يريد به تقرير قوله
لا يملكون
[مريم: 87] ﴿ قل الله ﴾ إذ لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام فهم مقرون به بقلوبهم. ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين ﴾ أي وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالعبادة، والمشركين به الجماد النازل في أدنى المراتب الإمكانية لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبينين، وهو بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح لأنه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب، ونظيره قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء
وقيل إنه على اللف والنشر وفيه نظر، واختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ويتطلع عليها أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى شيئا أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصى منها.