تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.62

يعني: لا يمنعكم ولا يصرفكم عن الحق والهدى ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ [الزخرف: 62] يعني: واضح العداوة، وعداوته لكم راسخة وقديمة منذ أبيكم آدم، فلا تعطوه الفرصة لأن يصدكم عن الحق أو يفتح لكم أبواب الشبهة، لأنه يتصيد مواطن الخلاف ويحوم حولها حتى يوقعكم في الضلال. فهو القائل:

لأقعدن لهم صراطك المستقيم

[الأعراف: 16] أي: في أماكن الطاعة ليفسدها عليهم، والحق سبحانه يعلمنا كيف نتحصن منه

وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله

[الأعراف: 200] فاسم الله هو الذي يطرد عنك وساوس الشيطان ونزغاته، لأن وارد الشيطان لا بقاء له أبدا مع وارد الرحمن. قلنا: لو أن لصا يحوم حول بيتك فسمعك تقول إحم، فإنه يتراجع وينصرف ولو قلتها حتى مصادفة، فأي نزغ من الشيطان ساعة تشعر بأنه يحوم حولك، ما عليك إلا أن تذكر الله وتستعيذ به من وساوسه. تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تقولها بصوت عال، وقد اعترف الشيطان نفسه بأنه لا سلطان له على الذين آمنوا وأخلصوا لله تعالى:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 82-83].

43.63

﴿ بالبينات ﴾ [الزخرف: 63] الآيات والمعجزات ﴿ قال قد جئتكم بالحكمة ﴾ [الزخرف: 63] يعني: الإنجيل وما فيه من أحكام ﴿ ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴾ [الزخرف: 63] والذي اختلفوا فيه قبل عيسى أو بعد أن انتقل عيسى، فقالوا عنه: ابن الله. وقالوا: ثالث ثلاثة. واليهود قالوا أكثر من هذا. الحق سبحانه يقول: أنا أعطيته الحكمة يعني: الإنجيل. والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه، وعيسى عليه السلام جاء بعد اليهودية، وكانت اليهودية مسرفة في المادية ومنها ينطلقون في كل شيء. وقلنا: إن هذه المادية هي التي دعتهم إلى أن يطلبوا من رسولهم رؤية الله

فقالوا أرنا الله جهرة

[النساء: 153] فلا مجال للغيبيات في حياتهم، حتى في طعامهم وشرابهم لما أنزل الله عليهم المن والسلوى لم يقتنعوا به، وأرادوا طعاما يصنعونه بأيديهم، فقال لهم:

اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم

[البقرة: 61]. لذلك حينما تقرأ التوراة لا تجد فيها ذكرا لليوم الآخر وكذلك التلمود، مع أن اليوم الآخر والإيمان به ركن من أركان الإيمان، لكنهم لماديتهم لا يصدقون به لذلك لما جاءت رسالة عيسى عليه السلام جاءت كلها روحانيات لتجبر النقص الروحي في اليهودية ولتستوي كفة الاعتدال في الخلق. لذلك لا نجد في الإنجيل شيئا عن تقنينات المجتمع، فإن أرادوا شيئا من ذلك أخذوه من التوراة، وقد اضطروا - مع ما بينهم من عداء - إلى أن يجمعوا التوراة والإنجيل في كتاب واحد وأسموه العهد القديم لأن عيسى عليه السلام سئل مرة عن الميراث فقال: أنا لم أبعث مورثا. إذن: لما طغت المادية قابلها بروحانية، ليحدث الاعتدال في حركة الحياة لأن الروحانية هي التي تدفع الحركة المادية لذلك جاءت رسالة عيسى تربي المواجيد الدينية وترتفع بالروحانيات. فالحياة تحتاج للجانبين معا الحركة المادية التي تتفاعل مع الكون والطبيعة، ففي الكون أشياء تعطيك دون أن تتفاعل معها كالشمس والقمر والنجوم والماء والهواء، فأنت فقط مستقبل، وأشياء أخرى لا تعطيك إلا حين تتفاعل معها، كالأرض تزرعها وتحرثها وترعاها فتعطيك الزرع. ولأن اليهودية بالغت في المادية بالغت كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال: " من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها " ، وقال: من ضربك على خدك الأيمن أعطه خدك الأيسر. وهذه رهبانية لم يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوها حق رعايتها، يقول تعالى:

ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٨٠