ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم فقال له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا
[الإسراء: 101]. وقال في موضع آخر:
وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها..
[الزخرف: 48] وهذا يعني أنها كانت آيات كثيرة واضحة ظاهرة بينة. وقوله سبحانه ﴿ إلى فرعون وملإيه ﴾ [الزخرف: 46] الملأ: هم القوم، خاصة الوجهاء منهم، وأصحاب المنزلة من قولنا: فلان ملء العين. وفي آية أخرى قال:
وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين
[العنكبوت: 39]. وقوله تعالى: ﴿ فقال إني رسول رب العلمين ﴾ [الزخرف: 46] ملخص لرسالته وموجز لما جاء به.
43.47
في آية العنكبوت السابقة بينت رد فعلهم وهو الاستكبار، والاستكبار هنا يعني أنهم علموا أن موسى على الحق، وأنه صاحب معجزات ومع ذلك استكبروا على أن يؤمنوا به، وهنا بينت الآية وجها آخر للاستكبار. ﴿ إذا هم منها يضحكون ﴾ [الزخرف: 47] يضحكون إما إعجابا بالمعجزة وللآية التي رأوها، وأنها خارقة للعادة وخلاف كل ما رأوه من السحرة، أو يضحكون سخرية واستخفافا.
43.48
معنى ﴿ آية ﴾ [الزخرف: 48] يعني: معجزة ﴿ إلا هي أكبر من أختها ﴾ [الزخرف: 48] يعني: كل معجزة أعظم وأوضح من سابقتها، وهذا يعني أن الإعجاز واضح في جميع الآيات على كثرتها، فكل آية كبيرة من جهة ما لأن المقصود من الآيات الإعجاز وإثبات شيء ليس في مقدور البشر ولا طاقتهم، وما دام أن كل آية تؤدي هذا الغرض فهي آية كبيرة. وقوله: ﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ [الزخرف: 48] أي: عاقبناهم على تكذيبهم بالعذاب، وقد أوضح الحق سبحانه هذا العذاب في موضع آخر، فقال:
ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون
[الأعراف: 130]؟ وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 48] ومرة ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ [الأعراف: 130] فالحق سبحانه لا يعذب خلقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم.
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
وقوله: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 48] أي: عن المكابرة والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبدا ظلوا على كفرهم وجحودهم، حتى بعد أن أخذهم الله بالسنين يعني: القحط وجدب الأرض وجفافها، فنتج عن ذلك نقص الثمرات وضيق العيش. ثم بعد ذلك كله
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات
[الأعراف: 133] يعني: آيات واضحة الدلالة بينة، فأصبحوا في ضيق وهزال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد أن يئسوا وقالوا: ﴿ وقالوا يأيه... ﴾.