تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.86

أي: الذين يدعونهم من دون الله كالشمس والقمر والنجوم والأصنام، هذه المعبودات معبودات باطلة، بدليل أنهم لا يملكون الشفاعة ولا يملكون دفع الضر عنهم، وهم لا يملكون الشفاعة لأن الشفاعة عند من؟ عند الله. وكيف يقبل الله شفاعتهم، وهم السبب في ضلال هؤلاء ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ [الزخرف: 86] هذا استثناء يعني: لا يشفع عند الله إلا من شهد بالحق.

43.87

إذن: هؤلاء يؤمنون ويعترفون بأن الله هو خالقهم، وفي آية أخرى:

ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون

[العنكبوت: 61] وعجيب منهم بعد هذا الاعتراف ألا يؤمنوا بالله ولا يصدقوا رسوله. لذلك ذيل الآية بقوله تعالى: ﴿ فأنى يؤفكون ﴾ [الزخرف: 87] كيف يصرفون عن هذا الحق وهم يعترفون به ويشهدون لله بأنه خالقهم وخالق السماوات والأرض. لذلك يتعجب الحق سبحانه في سورة البقرة من كفرهم، الذي لا مبرر له ولا حيثيات، يقول تعالى:

كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون

[البقرة: 28].

43.88-89

كلمة قيله مصدر لقال، نقول: قال قولا ومقالا وقيلا، فمعنى قيله يعني قوله، قول من؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه ﴿ يرب إن هؤلاء ﴾ [الزخرف: 88] كفار مكة ﴿ قوم لا يؤمنون ﴾ [الزخرف: 88]. لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أوذي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءا وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرين، ومع ذلك لم يذكر شيئا عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقل: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال ﴿ يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ [الزخرف: 88]. هذا الذي حز في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غيرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه. هذا المعنى الذي عبر عنه أحمد شوقي في قوله:

فإذا غضبت فإنما هي غضبة

للحق لا ضغن ولا شحناء

ومعنى الواو في أول الآية وقيله هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله ﴿ يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ [الزخرف: 88] يقول: وبحق هذا القول. وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأعذبنهم عذابا يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكل ما عليك يا محمد أن تصفح عنهم. ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام ﴾ [الزخرف: 89] لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادة في صفوف المسلمين. وفي آية أخرى قال سبحانه:

فاصفح الصفح الجميل

[الحجر: 85] لأنك قد تصفح عمن أساء إليك، لكن يبقى عندك شيء من الغيظ والغضب أو الحقد عليه، أما الصفح الجميل فهو الصفح الذي يصاحبه تسامح يقتلع كل جذور الغضب والغيظ والحقد. وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم صفحا جميلا ولا تغضب، لأن غضبك يؤثر فيك ويؤثر في تكوينك ووراءك رب يغضب لك فلا تغضب أنت، وهذا أدب عال يعلمنا إياه الإسلام. معلوم أن الشارع الحكيم لا يحاسبك على خواطر نفسك وخلجات صدرك طالما لم تترجم إلى عمل ونزوع، وبعد ذلك يسمو بك فيدعوك إلى التخلص من مجود هذه الخواطر إن كانت خواطر شر تجاه الآخرين. وهذه مراحل تعلمناها من قوله تعالى:

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

[آل عمران: 134] فالمرحلة الأولى كظم الغيظ، والثانية العفو، وفي هذه المرحلة تتخلص من كل خواطر الشر في نفسك، بحيث تراها صافية ليس فيها بقايا من غيظ أو كره أو حقد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٩٥