تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الحديد: 27]. إذن: الذي أخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أخذ عليهم أنهم ما رعوها حق رعايتها، وما دامت اليهودية بالغت في المادية، وجاءت المسيحية روحانية صرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا بد من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام. وتأمل كيف ضرب القرآن مثلا لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار

[الفتح: 29]. هكذا جمعت أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم يطبع على الشدة، ولم يطبع على الرحمة، بل يشكله الموقف، لكن أشداء على من؟ ورحماء لمن؟ وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مثل لأمة الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوما ماديين أعطاهم الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوما ماديين أعطاهم الجانب الروحي في الإسلام:

تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود

[الفتح: 29]. أما في الإنجيل فذكر الجانب المادي في الإسلام:

كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار

[الفتح: 29]. فكأن الإسلام بجمعه بين المادية والروحية هو المنهج المناسب الصالح لقيادة حركة الحياة، فالروحية لا تستقيم أبدا بدون المادية، فالعابد مثلا لا يقيم عبادته إلا برغيف يقيم أوده وثوب يستر عورته، فمن أين يأتي بالرغيف؟ ومن أين يأتي بالثوب؟ الرغيف يحتاج إلى فلاح يزرع ويحصد، ويحتاج إلى مطحن، وإلى مخبز وعمال.. إلخ وكذلك الثوب وكلها حركة مادية. لذلك جعل الحق سبحانه القرآن مهيمنا على الكتب السابقة

ومهيمنا عليه

[المائدة: 48] وقال:

وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم

[الزخرف: 4] أي: يعلو على كل الكتب السماوية. وقوله تعالى: ﴿ ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴾ [الزخرف: 63] مثل الأشياء المحرمة على اليهود، والتي أحلها الله لهم مثل الإبل، كما قال تعالى:

ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم

[آل عمران: 50] وقال:

وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم

[الأنعام: 146].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٨١