تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.6-7

كم هنا تفيد الكثرة ﴿ في الأولين ﴾ [الزخرف: 6] في الأمم السابقة الذين كانوا يكذبون الرسل ويستهزئون بهم.

43.8

يعني: يا كفار قريش خذوا عبرة من الأمم السابقة، وممن أهلكهم الله وكانوا أشد منكم قوة فلم تمنعهم قوتهم، ولم تدفع عنهم عذاب الله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ [الزخرف: 8] يعني: قصتهم وما حل بهم لأن هذا وعد الله للرسل.

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173] فلابد أن تجدوا عاقبة هذا التكذيب: إما أن تهزموا في الدنيا، وإما أن يدخر لكم العذاب في الآخرة.

43.9-10

الحق سبحانه يريد أن يبين لهم أنهم يكذبون رسول الله، ويصادمون دعوته استكبارا وعنادا، ولا يعتمدون في ذلك على منطق العقل والحكمة، ويأخذ هذه الحقيقة ويثبتها من لسانهم هم: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ﴾ [الزخرف: 9]. وفي موضع آخر:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..

[الزخرف: 87] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخلق هذه لم يدعها أحد لنفسه ولم يقم لها منازع. أولا عجيب منهم أن يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلا خلقهن الله لأنه ليس له منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا:

بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ..

[البقرة: 170] فصدهم هذا عن اتباع الحق. ومعنى ﴿ العزيز ﴾ [الزخرف: 9] أي: الغالب الذي لا يغلب، فهم إذن ردوا على أنفسهم، فهم مهما عملوا فلابد أن يغلبوا. وقولهم في وصف الحق سبحانه: ﴿ العزيز العليم ﴾ [الزخرف: 9] من باب أن المتكلم يمكن أن يزيد من عنده ما لم يلق إليه، كما لو أنك أرسلت شخصا برسالة وقلت له: اذهب إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقل له كذا وكذا. فحين يذهب الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، وقل له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون ﴿ خلقهن العزيز العليم ﴾ [الزخرف: 9] لأنهم يعلمون أن الله تعالى عزيز وعليم. ثم أراد سبحانه أن يبين لهم قدرته وعلمه، فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا.. ﴾ [الزخرف: 10] والمهد في الأصل هو الفراش الممهد الذي يستريح فيه الطفل جلوسا أو نوما، ومنه نقول طريق ممهد يعني: معد ومسوى بحيث يريح من يمشي عليه. فالحق يشبهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أن يمهد لنفسه، فلولا أن الله مهد لنا الأرض ما قدرنا نحن على تمهيدها. ﴿ وجعل لكم فيها سبلا.. ﴾ [الزخرف: 10] يعني: طرقا تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان لآخر، لأن مصالح الخلق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن مصالحهم ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ [الزخرف: 10] أي: في سيركم إلى مصالحكم وأغراضكم. الحق سبحانه حين يمتن عليهم ببعض نعمه عليهم إنما ليرقق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويصدقون برسوله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٥٠