تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.28

قوله تعالى ﴿ وجعلها ﴾ [الزخرف: 28] أي سيدنا إبراهيم جعل كلمة البراءة من الشرك، أو كلمة التوحيد التي وردت في قوله تعالى:

ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون

[البقرة: 132]. جعل هذه الكلمة ﴿ باقية ﴾ [الزخرف: 28] سائرة ﴿ في عقبه ﴾ [الزخرف: 28] في ذريته من بعده، وما زالت هذه الكلمة باقية ودائرة على ألسنة الناس حتى يوم القيامة، لأنها كلمة طيبة، والكلمة الطيبة ضمن الحق سبحانه لها البقاء في قوله تعالى:

ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها

[إبراهيم: 24-25]. وسماها كلمة مع أنها كلام، لأن الكلمة في اللغة تطلق على الكلام، كما نقول: ألقى فلان كلمة في الحفل، وابن مالك في الألفية يقول:

وكلمة بها كلام قد يؤم

يعني: نقصد بالكلمة الكلام الكثير.

43.29-30

قلنا: إن المنهج ينطمس وينصرف الناس عنه بمرور الزمن حتى تدعو الحاجة لنبي جديد يعيد الناس إلى الجادة، لأن الحق سبحانه خلق في النفس البشرية مناعة طبيعية لأنه خليفة الله في أرضه، فهو الذي سيعمر هذه الأرض، فلا بد أن يوفر له أسباب الاستقامة والحركة الإيجابية التي يعمر بها الأرض. لذلك نرى الإنسان السوي حينما يفعل المعصية حين غفلة منه عن منهج ربه يسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ذاته، فإذا أصيب المرء في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعة لم يبق إلا أن تتدخل السماء برسول جديد ومنهج جديد. إذن: حدث الانصراف عن المنهج بعد إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه ﴿ لعلهم ﴾ [الزخرف: 28] أي: ذريته من بعده ﴿ يرجعون ﴾ [الزخرف: 28] أي: إلى الله. لكن لم يحدث، فقال سبحانه: ﴿ بل متعت هؤلاء ﴾ [الزخرف: 29] أي: كفار مكة ﴿ وآبآءهم ﴾ [الزخرف: 29] بالجاه والسلطان والنعيم والأمن

أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم

[العنكبوت: 67] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، وظلت لهم هذه المنزلة ﴿ حتى جآءهم الحق ﴾ [الزخرف: 29] أي: القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ [الزخرف: 29] أي: محمد صلى الله عليه وسلم و ﴿ مبين ﴾ [الزخرف: 29] يعني: يظهر الحق على يديه وفي كل شيء فيه. لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدقوا بهذا الرسول؟ لا ﴿ ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ﴾ [الزخرف: 30] أي: أن القرآن سحر يسحر من استمعه، وفي موضع آخر قالوا عن الرسول أنه ساحر. وقلنا: إن الرد على هذا الافتراء سهل، فلو كان القرآن سحرا ولو كان محمدا ساحرا سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا، وتنتهي المسألة؟ إذن: وجودكم على الكفر دليل صدق محمد، وأنه نبي ليس بساحر. ولما لم تفلح هذه الشبهة قالوا:

إنما يعلمه بشر

[النحل: 103] أي: أن رسول الله يختلف إلى رجل فارسي يعلمه القرآن، فرد الله عليهم

لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين

[النحل: 103]. فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم: مجنون، فرد الله عليهم:

مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 2-4] والمجنون لا يكون صاحب خلق عظيم، لأن الخلق يضبط سلوك صاحبه. فلما أبطل الحق سبحانه دعاواهم وافتراءاتهم ورد عليهم بما يظهر غباءهم قالوا: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٦٣