43.5
الهمزة هنا تحمل معنى الاستفهام الإنكاري، ومعنى ﴿ أفنضرب ﴾ [الزخرف: 5] أي: نترك. نقول: ضربت عن العمل وأضربت عن العمل أي: تركته وامتنعت عنه. ومنه: أضرب العمال عن العمل. فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونعرض عنكم ونترككم هكذا هملا، لأنكم أسرفتم على أنفسكم وكذبتم بالذكر وكفرتم به؟ لا بل سنوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإن لم تؤمنوا بالحجة ولم تصدقوا جاء دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به. فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شره وفساده إن ظل على كفره، فالذكر والمراد به هنا الوحي رحمة من الله وخير يقدمه لعباده رحمة بهم. لذلك قالوا: إن كان لك عدو فلا تدع عليه بالهلاك، إنما ادع له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كتم العلم لأنك حين تكتم علما تحرم مجتمعك من خيره، فحين تعلم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شره. إذن: من رحمة الله بهم أن يوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلا مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحدا بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير. ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأخذ العبرة من موكب الرسالات لتروا عاقبة المكذبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذبين لهم، لأن هذه سنة الله في الرسل أن ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مكذبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم:
فكلا أخذنا بذنبه..
[العنكبوت: 40]. وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون
[الصافات: 137-138] يعني: المسألة ليست كلاما نظريا، إنما واقع معاش ومشاهد عليكم أن تعقلوه، وأن تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.