تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.70

هذا هو الجزاء، جزاء الذين آمنوا وكانوا مسلمين، يقول الله لهم أي يوم القيامة: ﴿ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾ [الزخرف: 70] وخص الأزواج لأن كل متعة يتمتعها الإنسان ويسر بها تدب فيه غرائز المراهقة، ويميل إلى أن تكون له زوجة تشاركه متعته وسروره، وهي كذلك. فالزوج إذن - سواء الزوج أو الزوجة - هو المرافق المشتهي أولا، والمعين ثانيا سكنا ومودة ورحمة، السكن والمودة معروفة بين الزوجين، أما الرحمة فمتى تكون؟ الرحمة نراها بين الزوجين في فترة الكبر والشيخوخة حينما يكون كل منهما في حاجة إلى الرحمة من الآخر، الرحمة قبل أي مشاعر أخرى. ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ [الزخرف: 70] الحبور: شدة السرور، وهو شيء من الصفاء والوضاءة والبهاء تعلو وجه الإنسان حينما يفرح فرحا لا ينغصه شيء، كما جاء في قوله تعالى:

تعرف في وجوههم نضرة النعيم

[المطففين: 24].

43.71

الحديث هنا عن نعيم الجنة، والصحاف: جمع صحفة وهي الطبق الواسع الذي تأكل فيه الأسرة كلها، والأكبر منها قصعة، والأكبر من القصعة جفنة، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله أخبر عن ابن جدعان أنه كان له جفنة، كبيرة حتى أنه كان يستظل بظلها من حر الشمس. وفي قصة سيدنا سليمان والجن الذي سخره الله لخدمته، قال تعالى:

يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات..

[سبأ: 13]. كذلك في الجنة صحاف لكن من ذهب. ﴿ وأكواب ﴾ [الزخرف: 71] جمع كوب، وهو إناء يشرب فيه ليست له عروة، وهناك الأباريق جمع إبريق، وهو إناء يشرب فيه له عروة وفتحة من أعلى، وهناك الكأس وهي الكوب إذا كان ملآنا بالشراب. ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ [الزخرف: 71] هذا وصف موجز للمتعدد الذي يطول المقام بذكر تفاصيله، فالذي يقدم في هذه الصحاف وفي هذه الأكواب مما تشتهيه الأنفس من الطعام والشراب، هذا من حيث الطعم. ﴿ وتلذ الأعين ﴾ [الزخرف: 71] يعني: لونه رائق لك جميل في عينك، مجرد النظر إليه فيه لذة، فما بالك بطعمه ومذاقه، لذلك حينما تستضيف مثلا عزيزا لديك تقول له: ماذا تحب أن تأكل، لماذا؟ لتصنع له ما يشتهيه وما تميل إليه نفسه. يعني: المسألة ليست حشو بطن فحسب. وتلحظ أنه ذكر الصحاف أولا، ثم الأكواب، لأن الإنسان عادة يأكل ثم يشرب، ففيها ترتيب للأهمية. وذكر لذة الأعين بالطعام، لأنك تجد بالنظر إليه متعة ربما تفوق متعة الأكل، لذلك قال تعالى في موضع آخر

انظروا إلى ثمره إذآ أثمر

[الأنعام: 99] فجمع إلى لذة الطعام لذة النظر إليه. وقوله: ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ [الزخرف: 71] لأن هذه دار بقاء وخلود، ليس فيها موت، وليس فيها انقطاع للنعمة فلا تفوتك النعمة ولا تفوتها، يعني: لذة صافية لا ينغصها شيء، كما قال تعالى:

لا مقطوعة ولا ممنوعة

[الواقعة: 33] لأنها عطاء الله، وعطاء الله دائم لا ينقطع.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٨٦