تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.18

الهمزة هنا أيضا للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي تنشأ في الحلية بالولد. ومعنى ﴿ أومن ينشأ في الحلية ﴾ [الزخرف: 18] يعني: تربى في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلا نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نلبسها الحلق والأسورة والثياب الجميلة على خلاف الولد. ﴿ وهو في الخصام.. ﴾ [الزخرف: 18] أي: في مواقف الجدل والدفاع ﴿ غير مبين ﴾ [الزخرف: 18] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة. إذن: البنت التي نسبوها لله تربى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خلقت للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونزينها أولا وأخيرا لتتزوج. وفي الغالب نلجأ للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن العرب كانت تسمي المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن أي زينة. أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاق، فهل يستويان؟ وهذا لا يعني أن هذه قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة القوية التي فاقت الرجال. تذكرون لما منع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطر رسول الله لأن يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أن يعود هذا العام ويحج في العام الذي يليه. عندما غضب الصحابة وثاروا وعز عليهم أن يمنعوا من البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مغضب، فقالت له: ما لي أراك مغضبا يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتهم فلم يمتثلوا. فقالت: يا رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ويشق عليهم أن يمنعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوك تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا جدال فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا إلى المدينة. ورحمة بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول الله وهو في الطريق وقبل أن يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من عودتهم هذا العام، فقال تعالى:

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25]. إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عنوة، وحدث بينكم وبين الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تلحقون بهم الضرر دون علم منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على الحق. هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطا أن يكون الرجال جميعا عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعا عندهن ضعف في الرأي وعدم قدرة على الجدال، فالقاعدة لابد أن يكون لها شواذ. فإذا كانت القاعدة في النساء ﴿ أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ﴾ [الزخرف: 18] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء من كانت ملكة على قومها، مثل ملكة سبأ مثلا التي قص القرآن قصتها مع سيدنا سليمان. فهل وصلت للملك لعدم وجود الرجال؟ أبدا، بل تفوقت بذكائها وقوة رأيها حتى سلم لها الرجال وقدموها عليهم. وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما وصفها الهدهد قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٥٦