43.79
يعني: أحكموا كيدا لك يا محمد وبيتوه واتفقوا عليه، فلا تهتم لأننا لهم بالمرصاد ﴿ فإنا مبرمون ﴾ [الزخرف: 79] يعني: نحكم كيدا كما أحكموا كيدا. ونحن نعلم ما يبيتونه ولا يخفى علينا، وهم لا يعلمون ما نبيته لهم، إذن: أي الفريقين أقوى؟
43.80
أيظنون أنا لا نسمع ما يبرمونه وما يحكمون تخطيطه لإيذاء رسول الله، ولا نسمع سرهم، والسر هو الحديث تسر به إلى آخر، أو السر إذا سمعت شيئا وبقي سرا في صدرك لا يطلع أحد عليه. والنجوى هي الحديث الخافت بين اثنين بحيث لا يسمعهما ثالث لكن الله يسمع سرهم ويسمع نجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل وأكثر من ذلك ﴿ ورسلنا لديهم يكتبون ﴾ [الزخرف: 80] يعني: نسمعهم ونحصي عليه ما قالوا، فلنا رسل وملائكة تكتب وتسجل ما يقولون وما يفعلون. فلو قلت: إذا كان الحق سبحانه يعلم ويسمع ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، فما فائدة التسجيل عليهم وكتابة سرهم ونجواهم؟ قلنا: الكتابة تفيد الملائكة فهي من أجلهم، حتى إذا ما رأوا الأحداث تحدث كما سجلت في اللوح المحفوظ يعلمون أن الله عليم حكيم فيزدادوا يقينا فوق يقينهم، وإيمانا على إيمانهم.
43.81
هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لمن يدعي أن للرحمن ولدا ﴿ قل ﴾ [الزخرف: 81] أي على سبيل الفرض ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81] وعلى اعتبار إن شرطية فالمعنى إن كان للرحمن ولد وهو سبحانه الذي يخبرني بهذه الحقيقة فأنا أول العابدين له، لأنني آخذ ثقافتي وآخذ أوامري من ربي لا منكم. وبعضهم قال إن هنا نافية، مثل قوله تعالى:
ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم
[المجادلة: 2] فالمعنى: قل ما كان للرحمن ولد فأنا أول من ينفي ذلك لأنني أول العابدين، وأول المؤمنين بوحدانية الله تعالى. الحق تعالى وصف نفسه سبحانه بوصفين، البعض يظن أنهما بمعنى واحد، لكن طالما هما لفظان مختلفان فلا بد أن لكل منهما معنى خاصا لا يؤديه الوصف الآخر الحق وصف نفسه بأنه واحد أحد. قلنا: واحد يعني فرد لا ثاني له فهي تنفي التعددية، أما أحد أي واحد في ذاته ليس له أجزاء، لأن الشيء المكون من أجزاء يكون كل جزء فيه محتاجا إلى الأجزاء الأخرى. وطالما أنه تعالى أحد في ذاته إذن ليس له ولد لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم:
" فاطمة بضعة مني "
يعني: جزء مني. وإذا أخذنا بهذا المبدأ وسلسلنا نسب كل منا لا بد أن نصل إلى أبينا آدم عليه السلام، وعرفنا أن كلا منا فيه بضعة أو ذرة من أبيه آدم، هذه الذرة هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في مرحلة الذر:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
[الأعراف: 172-173]. وهذه الذرة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في الإنسان، ومنها تنطلق حركة الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على التوبة؟ إنه عمل هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول من سمع نداء الله وبلاغ عن الله. والقرآن الكريم أفاد أن الجن أوعى من الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسان قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ونسب له الولد فالجن نفت ذلك ونزهت الله عن الولد وعن الصاحبة، واقرأ قوله تعالى:
وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا
[الجن: 3]. يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ولدا، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد من أسباب الفساد في الكون، يقول تعالى:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم