43.39
لأن هذه بلوى عامة تشمل الجميع، فالبلوى حينما تصيب رجلا واحدا من بين الناس يعز عليه ذلك، ويشق عليه أن يحزن والآخرون سعداء، لكن لما تعم البلوى تهون ويخف وطؤها على الجماعة لمشاعر المشاركة، حتى ولو كانت المشاركة في الحزن. وهذا المعنى عبرت عنه الخنساء في رثائها لأخيها صخر حين قالت:
ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
أعزي النفس عنه بالتأسي
وقال آخر:
وهون فجعات المصائب أنني
وإن هصرتني لست في مرها وحدي
نعم، إذا عمت المصائب هانت، لكن هذا في مصائب الدنيا، أما مصيبة الآخرة فلا تهون ولا تخفف ﴿ ولن ينفعكم اليوم ﴾ [الزخرف: 39] أي: يوم القيامة ﴿ إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ﴾ [الزخرف: 39].
43.40
المعنى - والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفر نفسك يا محمد، ولا تجهدها ولا تحملها ما لا تطيق في سبيل هداية هؤلاء. ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يبصرون ويسمعون، يسمعون الحق ولا يتبعونه، ويرون الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى. لذلك قال سبحانه في موضع آخر:
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46] إذن: هم معرضون معاندون متكبرون عن قبول الحق. وهذا هو معنى الضلال في ﴿ ومن كان في ضلال مبين ﴾ [الزخرف: 40]. وهل هناك ضلال أبين وأوضح من ضلال من يرى الحق ولا يتبعه؟ والحق سبحانه وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلا يشق على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته لذلك خاطبه ربه بقوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6] وخطابه بقوله
إن عليك إلا البلاغ
[الشورى: 48] ذلك لأن رسول الله كان محبا لرسالته، ومحبا لمنهجه، محبا لأمته جميعا يريد أن يذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أن يطبق في نفسه أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك.