43.33-35
معنى ﴿ أمة واحدة ﴾ [الزخرف: 33] يعني: على دين واحد مجتمعين على الكفر، ولولا أن الناس يرون الكافرين منعمين فيفتنون بهم لجعلت لهم كل هذا النعيم، بحيث لا يكون أحد أفضل منهم لأن هذا النعيم نعيم الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإن كانت الدنيا لحساب الكافرين فالآخرين للمتقين. والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يصعد عليها ﴿ ومعارج عليها يظهرون ﴾ [الزخرف: 33] يعني: يصعدون ويرتقون. فكأن الحق سبحانه يهون من أمر تنعم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل. وبعد ذلك يبين لنا أن المنعمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلا في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم ملوا حياة الرفاهية الزائدة، ملوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
43.36
معنى: ﴿ يعش عن ذكر الرحمن ﴾ [الزخرف: 36] يعني: يعرض عنه أو يتعامى ويغفل عنه، ولأنه غفل عن شيء هام لا ينبغي أن يغفل عنه أو يعرض يعاقبه الله ﴿ نقيض له شيطانا ﴾ [الزخرف: 36] نعد له شيطانا ونهيء له شيطانا ﴿ فهو له قرين ﴾ [الزخرف: 36] يعني: ملازم له يضله ويوسوس له. قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خلقه، وهو رب المؤمن ورب الكافر، لذلك يعين كلا على ما يريد، فمن أراد الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومن أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتى هنا بصفة الرحمن. لذلك أكثر ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه، قلنا: إنه يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة، لذلك قال كما حكى عنه القرآن:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]. ذكرنا قصة الرجل الذي وضع مالا في مكان ما، ثم نسيه، فقال له صديقه: اذهب إلى أبي حنيفة فعنده مخرج لكل المسائل، لأنني ذهبت إليه استفتيته في طلاق زوجتي لأنني قلت لها وهي على السلم: أنت طالق إن نزلت، وطالق إن صعدت، فقال له أبو حنيفة: قل لها تلقي بنفسها من على السلم. المهم ذهب صاحبنا إلى أبي حنيفة وقال له: لقد وضعت مالا في مكان كذا، ونسيت موضعه، فماذا أفعل؟ قال أبو حنيفة: ليس في هذا علم، لكني سأحتال لك: إذا جاء الليل اذهب وصل لله ركعتين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر يهرع إلى الصلاة. وفعلا ذهب الرجل، وهو في صلاته جاءه الشيطان يوسوس إليه بمكان المال حتى ذكره به، وفي الصباح قابل الرجل أبا حنيفة وقص عليه ما حدث، فضحك أبو حنيفة وقال: والله لقد علمت أنه لن يدعم تتم ليلتك مع ربك، فهلا أتممتها شكرا لله؟ قال: سأفعل إن شاء الله.