43.31
وهذا إقرار منهم بأن القرآن حق ولا اعتراض عليه، إنما اعتراضهم على شخص رسول الله، وأنه من أوسط الناس وليس عظيما من عظمائهم، ولا سيدا من ساداتهم في القريتين أي: مكة والطائف. وقد كان في الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وفي مكة الوليد بن المغيرة وغيرهم. فرد الله عليهم: ﴿ أهم يقسمون رحمت ربك... ﴾.
43.32
يعني: إذا كنا قسمنا بينهم أبسط الأشياء وهي معايشهم في الدنيا أيريدون هم أن يقسموا رحمة الله وفضل الله حسب أهوائهم، ورحمة الله يختص بها من يشاء من عباده، فهي من يده سبحانه لا دخل لأحد في توزيعها. فقوله تعالى ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ﴾ [الزخرف: 32] دل على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح إلا بمنهج الله الذي ينظمها. ومن حكمة هذه القسمة أن جعل بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، بعضهم سادة وبعضهم خدم، ولولا هذه القسمة ما استقامت حركة المجتمع وما وجدنا من يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة. وسبق أن أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضل، إنما على الحاجة، فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل. والرحمة المرادة هنا ﴿ أهم يقسمون رحمت ربك ﴾ [الزخرف: 32] هي النبوة، فهم يطمعون في أن يجعلوها اختيارا يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق سبحانه يصحح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة أبسط الأشياء؟ ثم تلاحظ أن كلمة ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ﴾ [الزخرف: 32] كلمة مبهمة تعني أن الكل مرفوع ومرفوع عليه، مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. وهكذا يتكامل الخلق، وتتم المصالح، وتقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض بما لا يعلموا خدم
فأنت مرفوع فيما تحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ﴾ [الزخرف: 32]. ﴿ ورحمت ربك خير مما يجمعون ﴾ [الزخرف: 32] المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخلق إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خير من هذا المتاع الزائل الذي تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء. أما منهج الله فيورثك فوزا باقيا تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير وهو أبقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاح الدنيا وسلامة الآخرة لذلك كان هو ﴿ خير ﴾ [الزخرف: 32] من كل ما تراه من بريق الدنيا. ثم يتكلم الحق سبحانه عن الكافرين الذين ملكوا الدنيا، وأخذوا كل مظاهر الزينة والترف والنعيم، وتحكموا حتى في قوت ومصائر المسلمين، وبين أن هذا الزخرف شكل ظاهري زائل، والعاقبة لا بد أن تكون لأهل الإيمان في النهاية: ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... ﴾.