إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
[فصلت: 30]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلك الذي يبشر الله... ﴾.
42.23
قوله تعالى: ﴿ ذلك.. ﴾ [الشورى: 23] إشارة إلى نعيم الجنة ﴿ الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ [الشورى: 23] والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه، ثم ينتقل السياق إلى قضية أخرى متعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الدعوة ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا.. ﴾ [الشورى: 23] يعني: قل لهم يا محمد: إنني لا أريد منكم أجرا على الدعوة والمهمة التي أقوم بها من أجلكم، وأنت لا تقول هذه الكلمة إلا إذا كنت قد عملت عملا تستحق عليه أجرا بالفعل. فالمعنى كأنه يقول: إن العمل الذي أقوم به من أجلكم كان يجب أن يكون لي عليه أجر، لأنني أنصحكم وأدلكم على ما ينفعكم، ومع ذلك لا أريد منكم أجرا. وكل رسل الله قالوا هذه الكلمة، لأن الإنسان عادة يجازي من أسدى إليه جميلا أو دله على خير أو أشار عليه مشورة تريحه، لذلك في كثير من مواكب الرسالات نقرأ:
ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله..
[هود: 29] نعم على الله، لماذا؟ لأنه عمل عظيم نفيس وشريف، لا يمكن لبشر أن يقدره قدره، أو يعطي عليه ما يستحق من أجر، إذن: لا يعطيني أجري إلا الله الذي بعثني. قلنا: كل الرسل قالوا هذه الكلمة إلا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا دعا أباه آزر، فكيف يطلب منه أجرا؟ كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا فرعون، وكان له عليه فضل التربية. إذن: لا أريد منكم أجرا على مهمة الدعوة التي أقوم بها، فأجري فيها على الله الذي بعثني، وهو الذي يقدرها قدرها، شيء واحد أريده منكم ﴿ إلا المودة في القربى.. ﴾ [الشورى: 23] يعني: مودتكم لقرابتي. والمودة: ميل القلب إلى من تواده ثم معاملته بما يستحق من تكريم وتقدير. فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد أرسلت إلى الناس كافة، وقد قابلتموني بالإيذاء وجابهتموني بالعداء واضطهدتم أصحابي، وألجأتموني إلى غيركم مرة إلى الطائف، ومرة إلى القبائل الأخرى، وألجأتم أصحابي إلى أن يتركوا بلادهم وديارهم، وأنا لي في كل بطن من بطون قريش قرابة حتى في المدينة حيث أخوالي من بني النجار، فلا أقل من أن تعطوني حقي في قرابتي، وحق القرابة ألا تؤذوني، فأنا لا أجبركم على الإسلام ولا أفعل ما يدعو إلى الإيذاء، كذلك من حق القرابة ألا تسلموني لعدوي، فهذا حقي عليكم. أو يكون المعنى ﴿ إلا المودة في القربى.. ﴾ [الشورى: 23] يعني: أقاربي وأهل بيتي، ذلك لأن أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرموا من معين على العيش، فليسوا كباقي المسلمين، حيث حرمت عليهم أموال الزكاة التي يستحقها الفقير من غيرهم، فلا أقل من أن تعاملوهم بالحسنى وبالمعروف، وتراعوا منزلتهم مني.
لذلك نجد لهم أحاديث كثيرة في إكرام أهل البيت يقولون أن غيرهم قالها، من ذلك: من مات على حب آل بيت رسول الله مات شهيدا، مات مغفورا له، مات وتحييه الملائكة في قبره، مات وفي قبره باب يؤدي به إلى الجنة، ومن أبغض آل محمد فهو آيس من رحمة الله. قالوا هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلاما مثل هذا، قال:
" أحبوا الله لما يغذوكم من النعم وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي "
وهذا معنى آخر من معاني ﴿ إلا المودة في القربى.. ﴾ [الشورى: 23]. أو يراد بها معنى ثالث ﴿ إلا المودة في القربى.. ﴾ [الشورى: 23] قرباكم أنتم يعني كل منكم يود قريبه ويعطيه ويرعى حق قرابته، ولو أن كل إنسان واجد عنده سعة من الرزق يعطي قرابته ويكفيهم ويساعدهم على المعيشة الكريمة ما وجد بيننا فقير ولا محتاج، والمجتمع عبارة عن دوائر متداخلة، فلو فعلنا ذلك لعم خير الله جميع خلق الله. ثم إن الأقارب لهم حق في مالك غير الزكاة، لذلك قال أحد الأغنياء: أنا أعطي أخي الفقير من مال الزكاة، فقلنا له: والله لو يعلم أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبلها، إذن أعطه من نسبة 97.5 % لا من 2.5 % اترك هذه النسبة اليسيرة للفقراء الأباعد عنك. وآخر يقول: أضع مال الزكاة في بناء مدرسة، وآخر يقول: في بناء مستشفى أو مسجد، سبحان الله وهل نسبة 2.5 % تكفي كل هذا؟ اجعلوها لأصحابها كما فرضها الله ليستقيم حال المجتمع، ثم لو فعلنا كل هذا من مال الزكاة ماذا سنفعل في نسبة 97.5 %. إن وضع مال الزكاة في موضعه كما علمنا الحق سبحانه يحمي المجتمع ويستر عوراته، فلا تجد فيه عاريا ولا جائعا ولا مريضا لا يجد ثمن العلاج، لكن لما عطلنا أحكام الشرع في هذه المسألة ظهرت عورات المجتمع المسلم كما نرى ونشاهد. الحق سبحانه وتعالى وزع خيره على كل خلقه و هندس اقتصاد المجتمع، بحيث لو نفذت تعاليمه في هذه المسألة لعاش الفقير في نفس مستوى معيشة الغني. ومن هذه العدالة في توزيع الخير على الناس تجد مثلا رجلا غنيا في بلدة ما هي موطنه منذ مولده، ومع ذلك يحن إلى موطن آخر فيذهب إليه ويعمر فيه ويفيض من خيره على أهله، قالوا: إذا رأيت مثل هذا الرجل فاعلم أن وجوده فائض عن حاجة أهل بلده، فنقله الله إلى مكان آخر محتاج إليه. وإذا كنا نفعل هذا مع أقاربنا، فرسول الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقرب رسول الله أولى، لأن رسول الله علم أنه سوف تأتي عهود يضطهد فيها أهل بيته، والتاريخ شاهد على ذلك، وقد رأيتم آل البيت وقد تشتتوا في سائر البلاد، بل وقتل منهم من قتل، وتعلمون مدى حب شعب مصر لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك نحب آبا بكر وعمر، وليس بيننا شيعي واحد.