تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. وأخيرا نلحظ على هذه الآية أن البعض ظن أن الفعل يمحو معطوف على يشأ وأنه مجزوم مثله بعد إن الشرطية وهذا غير صحيح، لأن الفعل يمحو جاء كلاما جديدا مستقلا بدليل تكرار لفظ الجلالة ورفع ويحق، فهو فعل مرفوع وحذف الواو تخفيفا أو لالتقاء ساكنين.

42.25

من لطف الله بعباده ورحمته بهم أن شرع لهم التوبة وجعل بابها مفتوحا لا يغلق، والتوبة أمل يتعلق به المسيء ويجد فيه حبل النجاة فيعود وتحسن سيرته ويتقوم سلوكه وينتفع به مجتمعه، أما إن أغلقنا باب التوبة في وجهه وألجأناه إلى اليأس تمادى في عصيانه فشقي وشقي به مجتمعه. والتوبة تعني رجوع المسيء إلى الله، ولها مراحل: شرع الله التوبة ومجرد مشروعيتها فضل من الله، ثم إذا تاب العبد قبل الله منه توبته، لذلك قال تعالى

ثم تاب عليهم ليتوبوا

[التوبة: 118] تاب عليهم. يعني: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل توبتهم. والتوبة ليست كلمة تقال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، إنما التوبة منهج متكامل، وقد بينها لنا الإمام علي رضي الله عنه عندما أقيمت الصلاة فسمع رجلا في الصف يقول: أستغفر الله العظيم، الله أكبر، فلما انتهى من الصلاة قال له: لقد استعجلت في التوبة فتوبتك تحتاج توبة. إذن: ليست مجرد كلمة، إنما منهج وبرنامج تستعرض فيه أولا ما فاتك من سيئات وما حدث منك من تفريط، فتندم أولا على ما بدر منك، وقد ورد في الحديث:

" الندم توبة ".

وفي قصة بني آدم:

فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين

[المائدة: 30] فعندما هدأت عنده سورة الشر والخصومة عاد إلى الصواب فندم على ما فعل، ثم تتذكر ما فاتك من فروض الصلاة فتقضيها أو تجبرها بصلاة النوافل. ثم ترد المظالم إلى أهلها. فهذه شروط ينبغي توافرها، ثم زد على ذلك أن تذوب في الحسنة كما ذبت في السيئة، وأن تذوق مرارة مشقة الطاعة كما ذقت حلاوة المعصية. والقياس في اللغة أن نقول: يقبل التوبة من عباده، لكن الحق يقول ﴿ عن عباده.. ﴾ [الشورى: 25] فكأن الحق سبحانه يرد عنهم ذنوبهم حين يقبل منهم التوبة، فتكون النتيجة مغفرة الذنوب التي ارتكبوها لكن الذنوب التي ارتكبوها لها صفات من الحق تطلب حقها فيه. فحين يفعل العبد الذنب تأتي صفة القهار والجبار والمنتقم وهي صفات الجلال، وهذه الصفات تقتضي العقاب، ثم تأتي صفات الجمال من الحق سبحانه صفة الغفور الرحيم التواب.. إلخ. لذلك قال في حديث آخر رمضان:

" شفع المؤمنون، وشفع النبيون، وشفعت الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين ".

فإذا كان المؤمنون والنبيون والملائكة سيشفعون عند الله تعالى فعند من يشفع أرحم الراحمين؟ قالوا: لأن لله صفات جلال وصفات جمال، فإذا أخذت صفات الجلال حقها من المذنب العاصي تأتي صفات الجمال لتشفع له عند صفات الجلال في نفي مستحقاتها عنده. إذن ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.. ﴾ [الشورى: 25] عبر ب عن مع أن التوبة منهم، فقال عنهم ليحملهم عنهم.

لذلك تجد دقة في استخدام هذه الحروف في القرآن الكريم، ولكل منها معنى لا يؤيده غيره، اقرأ مثلا قوله تعالى:

فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل..

[طه: 71]. ومعلوم أن الصلب يكون على الجذوع، لذلك قال بعض المفسرين أي: على جذوع النخل، لكن لماذا عدل القرآن عن على إلى في لا بد أن لها معنى لا تؤديه على. إذن: المراد لأصلبنكم تصليبا شديدا محكما، بحيث تدخل بعض أجزاء المصلوب في المصلوب عليه، لذلك قال

في جذوع النخل..

[طه: 71]. كذلك في قوله تعالى

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل..

[إبراهيم: 39] بعضهم قال: يعني مع الكبر. كيف و على ثلاثة أحرف و مع حرفان. فلا بد أن لها معنى لا تؤديه مع، ما هو؟ قالوا: على تفيد الاستعلاء، فالكبر كان مانعا من الإنجاب، لكن قدرة الله وإرادته علت وغلبت هذا المانع. ومثلها تماما قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٢٣