42.20
المعنى السطحي لكلمة الحرث هي حرث الأرض بالمحراث وإثارتها لبذر النبات فيها، ذلك لأن النبتة الصغيرة لا تقوى على شق التربة الجامدة فنشق لها التربة ليسهل عليها النمو، ثم هي في حاجة إلى الهواء، والحرث يقلب التربة، ويجعل الهواء يتغلغل فيها. ولما كان الحرث هو سبب الثمرة سمي بها، فالحرث معناه الثمرة المرجوة من الزرع، ومنه قوله تعالى:
وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد
[البقرة: 205] وقوله تعالى:
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم..
[الأنبياء: 78] أي: في الزرع. فمعنى: ﴿ من كان يريد حرث الآخرة.. ﴾ [الشورى: 20] يعني: ثوابها الدائم ونعيمها الخالد في جنات عدن، فالحق سبحانه يوضح لنا الأمور الدينية بصور من واقع حياتنا ليقربها للأذهان، اقرأ مثلا:
قد أفلح المؤمنون
[المؤمنون: 1] أفلح من أفلح الأرض إذا حرثها وأعدها للزراعة، فهو يوشك أن يجني الثمرة، كذلك المؤمن فاز بالثواب الدائم والنعيم المقيم. ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه.. ﴾ [الشورى: 20] يعني: يجده في الآخرة أزيد مما كان ينتظر، وأيضا لا يحرم من ثمرتها في الدنيا ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها.. ﴾ [الشورى: 20] أي: من ثمرات الدنيا، فالإنسان لا يحرم ثمرة جهده وتعبه في الدنيا
إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
[الكهف: 30]. فمن عمل للدنيا لا يحرم متعتها ولذتها، لكن حين تعجل له الطيبات في الدنيا يحرم منها في الآخرة ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ [الشورى: 20] أي لا حظ له في ثواب الآخرة، لأنه عمل في دنياه للجاه وللشهرة أو للغنى والثروة، فطالما أخذ بأسباب الشيء يناله حتى لو كان كافرا بالله، والمؤمن إن تكاسل وقعد عن السعي يحرم لأنه لم يأخذ بالأسباب. والحق سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، ومن كان يريد حرث الدنيا لم يكن الله أبدا في باله، لذلك كثيرا ما يسأل الناس عن العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم، ما مصيرهم؟ نقول: مصيرهم النار لأنهم عملوا للبشرية لا لله، عملوا للشهرة وقد أخذوها في الدنيا.