تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.45

قوله سبحانه: ﴿ وتراهم ﴾ أي الكفار ﴿ يعرضون عليها ﴾ على النار ﴿ خاشعين من الذل ﴾ أي: خاضعين أذلاء من شدة الخوف، لذلك ﴿ ينظرون من طرف خفي ﴾ [الشورى: 45] يعني: يختلسون النظرة ولا يستطيعون المواجهة بأعينهم، فما هم فيه من خزي يكسر أعينهم. لذلك تقول لخصمك الذي يفتري عليك كذبا هات عيني في عينك لماذا؟ لأن المواجهة بالأعين تظهر الحق، فصاحب الحق عينه قوية جريئة، تستمد قوتها من قوة الحق الذي يدافع عنه، أما عين المبطل فمنكسرة ذليلة تتوارى من شعاع الحق الذي يكشف زيفها. ﴿ وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ﴾ [الشورى: 45] هذه المقولة يرددها المؤمن الذي نجا من العذاب وفاز بالجنة، يقول: إن الخسارة الحقيقة هي ما فيه هؤلاء، لأنهم خسروا كل شيء ﴿ ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ﴾ [الشورى: 45] يعني: دائم لا ينقطع.

42.46

الكلام هنا عن يوم القيامة ﴿ وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ﴾ [الشورى: 46] أي: يدفعون عنهم العذاب الذي حل بهم ﴿ ومن يضلل الله فما له من سبيل ﴾ [الشورى: 46] يعني: ما له من طريق للهداية لأن الله تعالى هو الذي يهدي، يضع نموذجا للهداية. وسبق أن بينا أن الهداية على ضربين: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والمعونة، لذلك رأينا بعض المستشرقين يقفون أمام بعض الآيات يتهمون القرآن بالتعارض بين آياته، ومن ذلك قوله تعالى:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى

[فصلت: 17] وقوله تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت

[القصص: 56] وفي موضع آخر:

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52]. فأثبت الهداية مرة ونفاها مرة أخرى، والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتراض هؤلاء على أسلوب القرآن ناتج عن عدم فهمهم لكلام الله، فالنفي والإثبات هنا لأن الجهة منفكة، فمتعلق إثبات الهداية له معنى، ومتعلق نفيها له معنى آخر. وسبق أن أوضحنا أن الهداية نوعان: هداية إرشاد وهداية معونة وتوفيق، فرسول الله يملك هداية الإرشاد والدلالة، ولا يملك هداية التوفيق والمعونة، هذه بيد الله وحده يهدي إليه من يشاء. فقوله:

إنك لا تهدي من أحببت

[القصص: 56] نفى عنه هداية التوفيق والمعونة لأنها لله تعالى، وقوله:

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52] أثبت له هداية الإرشاد والدلالة. إذن: الجهة منفكة وليس هناك تعارض بين الموضعين. واقرأ مثلا قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم:

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

[الأنفال: 17] في الفعل وأثبته في موضع واحد، لأن الجهة أيضا منفكة، ولكل فعل منهما معنى. وكذلك في قوله تعالى:

وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون

[الروم: 6-7] يعني: لا يعلمون حقائق الأشياء إنما يعلمون ظاهرها. وفي واقعنا اليومي نستخدم هذا الأسلوب في نفي الفعل وإثباته في موضع واحد، فلما ترى ولدك يفتح الكتاب وينظر في سطوره وهو منشغل عنه، أو تسأله بعد المذاكرة فلا يجيب فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت، يعني: ذاكرت شكلا ولم تذاكر موضوعا أو مضمونا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ استجيبوا لربكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٣٨