تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.10

الاختلاف هو عدم التقاء الآراء في قضية ما، وينقسم الجمع إلى فريقين أو أكثر، كل يؤيد رأيه ويعارض رأي الآخر، ويقابله الوفاق والآراء تختلف إما في نقاش جاد مثمر يراد منه الوصول للحقيقة، وإما جدل ولجاجة لا فائدة منها ومراء بالباطل. لذلك يعلمنا الحق سبحانه ماذا نفعل حين نختلف، أن نرد الأمر والحكم لله، لذلك لما اختلفوا مثلا في الروح وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى:

ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا

[الإسراء: 85]. كذلك علمنا الحق سبحانه أدب الخلاف وألا نتعجل في الحكم، وأن نبحثه بموضوعية، فقد يكون المختلفون متفقين في واقع الأمر وهم لا يعلمون وجه هذا الاتفاق،

" ففي غزوة الأحزاب بعد أن عادت قريش إلى مكة، واليهود إلى أماكنهم أخبر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن اليهود هم سبب هذه الحرب، وأصل هذه البلوى، فاذهب إليهم ولا تخلع لباس الحرب، فذهب رسول الله إلى جيشه العائد من الحرب وقال لهم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ".

يريد الحرب، فعاد الصحابة وتوجهوا إلى بني قريظة، فدخل عليهم وقت المغرب وهم في الطريق فاختلفوا في صلاة العصر، فريق يقول يجب أن نصليها الآن قبل فوات وقتها، وفريق يقول: لا بل نصليها في بني قريظة كما أمر رسول الله. إذن: رأى تعصب للزمان، ورأى تعصب للمكان، فمن تعصب للزمان صلى في الطريق ومن تعصب للمكان صلى في بني قريظة، حتى إذا ما التقوا برسول الله عرضوا عليه هذا الخلاف، فأقر كلا منهم على رأيه، ولم يعارض هذا ولا ذاك. إذن: كان اختلافا شكليا، وهم لا يدرون أنهم جميعا على الحق، وأنهم في وفاق، إذن: حين نختلف علينا أن نرد الأمر إلى الله وإلى رسول الله، وأن نكون موضوعيين دون تعصب، هذا في الخلاف بين المؤمنين. كذلك إن كان الخلاف مع أهل الكتاب اليهود أو النصارى، ردوا خلافكم معهم إلى الله، لأن عندهم كتبا سماوية: التوراة والإنجيل، وفيها تصديق بمحمد خاتم الرسل، وفيها بشارة به، وفيها صفاته وعلاماته، بدليل أن منهم من آمن بعد بعثة رسول الله، فردوا خلافكم معهم إلى الله لتقطعوا عليهم طريق اللجج والعناد والخصومة. ومعنى ﴿ فحكمه إلى الله ﴾ [الشورى: 10] وأيضا إلى رسول الله لأنه نائب عن الله في الأحكام، وقد أعطاه الله حق التشريع بدليل قوله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[الحشر: 7] وهذه ميزة لم ينلها أحد من الرسل قبل رسول الله، حيث كان عليهم البلاغ فقط، أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه ربه في التشريع.

لذلك لما قال أحد المجادلين: ما الدليل على أن الصبح ركعتان، والظهر أربع، والمغرب ثلاث؟ قال: الدليل قوله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[الحشر: 7]. وكونك تحكم الحق سبحانه في مسألة خلافية وتعرضها على قول الله وقول رسول الله، هذه الرجعة تنهي الخلاف وتنهي المراء، ولا غضاضة على أحد أن يحتكم إلى قوة أعلى تلتقي عليها القلوب في صفاء ورضا بحكمه تعالى، ألا ترى أن الحكم عليك إن جاء من بشر مثلك ربما لا تقبله حتى لو كان صوابا، أما حين يكون الحكم لله فلا غضاضة ولا حرج. ﴿ ذلكم الله ربي عليه توكلت ﴾ [الشورى: 10] ﴿ ذلكم ﴾ اسم اشارة للتعظيم، ف ﴿ ذا ﴾ إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ تقولها وأنت فخور بها، معتز بالانتساب إليه سبحانه، وكأنه شيء عال فوق كل تصور، والرب قلنا: هو الذي يتولى التربية والعطاء، ومنه الفضل والإنعام، وعليه أتوكل في كل أمري ﴿ وإليه أنيب ﴾ [الشورى: 10] أرجع وأعود في الآخرة للحساب والجزاء. وحين أقول ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ [الشورى: 10] فأنا معتز بالربوبية التي تربي وتعطي، ومعتز بالألوهية التي تكلف، لأن التكليف من تمام التربية، ومقتضى تربيتي أن تكون دنياي سعيدة، لكن الدنيا موقوتة ومنتهية، فالتربية الحقة إذن أن أربيك لشيء أبقى وأدوم وهي الآخرة التي لا ينقطع نعيمها ولا أغادرها بموت ولا تغادرني بفناء. البعض يقول: التربية هنا للمادة، نقول: للمادة وللقيم والروح أيضا، لذلك يقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٠٠