تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.41-42

قوله تعالى ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه.. ﴾ [الشورى: 41] يعني: انتقم من ظالمه ﴿ فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ [الشورى: 41] يعني: لا مؤاخذة عليهم لأنهم ما تعدوا حدود الانتصار للنفس والانتقام لها ﴿ إنما السبيل.. ﴾ [الشورى: 42] أي: سبيل المؤاخذة ﴿ على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ﴾ [الشورى: 42]. ثم يأخذ الحق سبحانه بأيدي العباد إلى طريق أسلم من الانتقام وأحمد في العاقبة، فيقول تعالى: ﴿ ولمن صبر وغفر... ﴾.

42.43

جاء في وصية لقمان لابنه:

واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور

[لقمان: 17] هكذا دون توكيد باللام التي هنا ﴿ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ [الشورى: 43]. صحيح أن المعنى العام واحد وهو الدعوة إلى الصبر، لكن فرق بين الصبر على مصيبة ليس لك فيها غريم، والصبر على مصيبة لك فيها غريم، فوجود الغريم يحتاج إلى قوة في الصبر وتحمل، لأنك كلما رأيت غريمك هاجت عندك دواعي الانتقام، فلقمان يوصي ولده بالصبر على مصيبة ليس فيها غريم، فلم يحتج إلى توكيد. أما هنا فالكلام عن الصبر حينما يكون لك غريم تفكر في الانتقام منه ورد السيئة بمثلها، فأنت في حاجة إلى قوة تعينك على الصبر وطاقة تأخذك من مجال الانتصار للنفس إلى مجال العفو والصفح، لذلك أكد الكلام باللام مرتين في الآية. وقوله تعالى: ﴿ ولمن صبر وغفر.. ﴾ [الشورى: 43] يعني: أننا أمام مرحلتين: الصبر على الإساءة ثم غفران الإساءة، فكثير من الناس يصبر على من أساء إليه لكنه لا يغفر له إساءته، لأن مرحلة الغفران تحتاج إلى قوة إيمان وقوة عزيمة ﴿ إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ [الشورى: 43]. يعني: الأمور المهمة التي تحتاج منك إلى عزيمة وثبات وقوة تطفئ بها نار الحقد والثأر والانتقام، وقوة أخرى تستمد منها طاقة للمغفرة، وهذه لا تكون إلا للمؤمن الواثق بأن ما عند الله خير وأبقى، وأنه سينال بالعفو ما لم ينله بالانتقام. إذن: الحق سبحانه أباح لك أن تنتقم لنفسك، ثم دعاك إلى العفو ورغبك فيه، فمتى يكون الانتقام؟ ومتى يكون العفو؟ قالوا: العفو أولى من الانتقام والانتصار للنفس، إلا إذا كان المسيء الظالم من الجاهلين الذين لا يزيدهم العفو إلا تماديا في الظلم، ولا يزيده حلمك عليه إلا طمعا فيك، فهذا لا بد له من المعاملة بالمثل ليرتدع ولا يتمادى في ظلم الناس. وقد تنبه إلى هذه الحقيقة كثير من الشعراء العرب القدماء، يقول المتنبي:

من الحلم أن تستعمل الجهل دونه

إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم

وقال أيضا:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ووضع الندي في موضع السيف بالعلا

مضر كوضع السيف في موضع الندى

وقال آخر:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

وفي تاريخ قبائل العرب ما يؤكد ذلك، فبعض القبائل كانت شرسة وقوية لا تقبل الضيم مثل بني مازن، كانت حجة في الانتصار لنفسها، فصار الناس يرهبونها، ولا يجرؤ أحد على التعدي عليها، ومن القبائل التي كانت تجهل وتغتر بعفو من عفا عنها قبيلة بني اللقيطة من بني ذهل. أما طيء فكانت قبيلة مسالمة تعفو وتصفح وتقابل السيئة بالإحسان، لذلك طمع فيها بنو ذهل وتمادوا في التعدي عليها حتى فاض بشاعرهم بعد أن استباحوا أرضه وأخذوا إبله، فضاق بما عليه قبيلته من العفو عمن لا يستحق العفو، فقال في وصفهم:

كأن ربك لم يخلق لخشيته

سواهم من جميع الناس إنسانا

ويجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة

ومن إساءة أهل السوء إحسانا

ثم قال قصيدته المشهورة في الأدب العربي:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

عسى الأيام أن يرجعن

قوما كالذي كانوا

فلما صرح الشر

وأمسى وهو عريان

مشينا مشية الليث

غدا والليث غضبان

بضرب فيه توهين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٣٦