تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.30

كلمة أصاب مأخوذة من إصابة السهم للهدف، فإذا كان الرامي حاذقا أصاب الهدف دون انحراف، فكأن المصائب في الدنيا سهام أطلقت بالفعل، وهي لا بد صائبة أصحابها. لذلك يقولون: إن المصيبة ليست ناشئة حال وقوعها، إنما هي مقدرة أزلا، وسهم أطلق بالفعل، فوقتها هو مسافة سفر السهم إليك، كما سبق أن قلنا في مصيبة الموت. فهو إذن مسألة مفروغ منها وأمر مسجل ومكتوب عليه أزلا ليس حادثا، فالكون كله له ماكيت مسجل وموضح به كل شيء. لذلك قال تعالى:

مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير

[الحديد: 22] إذن: لا مفر أبدا من المصيبة ولا مهرب منها، ولا يمكن أبدا أن نحتاط لها، لأن السهم الذي أطلق لا يرد. والمصائب التي تصيب الإنسان على نوعين: نوع لك فيه دخل ويد، ونوع لا دخل لك فيه، فمثلا التلميذ الذي يرسب آخر العام لأنه أهمل دروسه ولم يجتهد لا شك أن له دخلا في هذه المصيبة التي حلت به آخر العام، فإذا كنت لا تريد أن تصيبك هذه المصيبة فخذ بأسباب النجاح واحذر أسباب الفشل وسوف تجد النجاح. الأخرى: مصيبة لا دخل لك فيها، كالتلميذ يذاكر ويجتهد ويحفظ دروسه لكن يصيبه دوار ساعة الامتحان أو مرض مفاجئ فلا يستطيع إكمال الامتحان فيرسب، هذا حدث بقدر الله والذي أجرى عليه القدر ربه عز وجل، ولا بد أن له فيه حكمة، لذلك يجب الرضا بهذه المصيبة على أنها قضاء الله وقدره، والمصيبة تهون مهما كانت عظيمة حينما يؤمن المصاب بها أنها من الله لا من أحد سواه. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثال من الواقع. قلنا: هب أنك جالس فدخل عليك ابنك الصغير ووجهه يسيل منه الدم، وإن أول ما يتبادر إلى ذهنك أن تسأله: من فعل بك هذا؟ إذن: لم تحكم على الحدث إنما سألت عن صاحبه لأن الحدث في ذاته لا يحزن ولا يفرح إلا بمصاحبة الفاعل. فإن قال لك الولد: عمي فلان ضربني تهدأ. وتقول له: لا بد أنك فعلت شيئا يستحق العقاب، أما إن قال لك: ضربني فلان جارنا تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: الحدث إن كان من محب قبلناه، وعلمنا أن وراءه مصلحة ورضينا به، وإن كان من عدو فلا مصلحة فيه واعترضنا عليه. فالحق سبحانه يريد أن يعلمنا كيفية استقبال المصائب وأن كل مصيبة تأتي لها سبب، فإن عرفناه كان بها، وإن جهلناه قلنا لا بد أن لله فيه حكمة ودخلنا من باب الرضا والتسليم بدل أن ندخل من باب السخط والاعتراض.

فالطالب الذي أصابه دوار ولم يؤد الامتحان يقول في نفسه: لعلني كنت مغرورا، فأراد الله أن يقضي على غروري، أو لعلني كنت سأحصل على مجموع أقل مما أريد، أو لعل الله دفع عني بذلك عيون الحاسدين. ألم يقل الحق سبحانه في حق نبيه صلى الله عليه وسلم:

وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم..

[القلم: 51]. والحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف يعطينا مثالا ونموذجا يعلمنا كيف نستقبل الأحداث؟ وكيف نتقبل المصائب؟ فما دام أنه لا دخل لك فيها فلا بد أن لله فيها حكمة، تقرأون قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليهما السلام، فالعبد الصالح لم يكن نبيا ومع ذلك تعلم منه النبي وطلب مصاحبته، فالعبد حينما يرتقي في علاقته بربه يفتح الله عليه فتوحات من عنده ويعلمه علما لا يعطيه إلا لخاصته. العبد الصالح كان يعبد الله على منهج سيدنا موسى، ومع ذلك تبعه موسى ليتعلم منه، لأن مهمة الرسول أن يصل المرسل إليه بربه، فإذا ما وصله بربه تركه وشأنه مع الله، وعندها يكون كل عبد وشطارته في علاقته بالله تعالى، فهذا العبد الصالح تقرب إلى الله ودخل معه سبحانه في ود، فكان له معه شأن خاص. انظر سيدنا موسى يقول للعبد الصالح:

قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٢٦