42.38
قوله تعالى: ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ [الشورى: 38] أي: بالإيمان وهذه تمثل العقيدة ﴿ وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [الشورى: 38] تمثل العمل والتطبيق. هذه آية من آيات كثيرة قرنت بين الصلاة والزكاة، لأن بهما يستقيم حال المجتمع المؤمن، الزكاة تنازل عن بعض مالك للمحتاجين فأنت إذن تضحي فيها بالمال، كذلك في الصلاة زكاة أبلغ من زكاة المال، لأنك في الصلاة تضحي بالوقت الذي هو مجال العمل وسبب كسب المال. الجديد في هذه الآية في مسألة الجمع بين الصلاة والزكاة ذكر مسألة الشورى بينهما، والمتحدث بهذا هو الحق سبحانه، فلا بد لنا أن نقف هنا ونتلمس الحكمة: لماذا جعل الشورى بين هذين الأمرين اللذين اجتمعا دائما في آيات الذكر الحكيم؟ نقول: معنى أقاموا الصلاة يعني: أدوها على أكمل وجه، وهذا يكون في جماعة المسجد، فكأنه ينتهز فرصة الاجتماع هذه ويأمرهم بأن يكون أمرهم شورى بينهم، والشورى لا تكون في أمر وصانا الله به، ولا في أمر وصانا به رسوله صلى الله عليه وسلم، إنما تكون في الأمور الخلافية التي لم يأت فيها نص، فيكون الحكم فيها شورى بين أهل الاختصاص كما نرى في مسألة الفتوى. لذلك ندعو إلى أن تكون الفتوى جماعية لا فردية، فلما تتناقش الجماعة لا بد أن يصلوا إلى الصواب، ولا مانع أن تدافع عن رأي الجماعة حتى لو كان لك رأي مخالف. ثم تأمل ﴿ وأمرهم شورى بينهم.. ﴾ [الشورى: 38] ولم يقل: تشاور. فعبر بالمصدر ليؤكد أن أمرهم هو نفسه الشورى، كما تقول: رجل عادل ورجل عدل، فجعلته العدل ذاته، وقد ورد أن الإمام عليا رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ترد علينا أمور لا نرى لله فيها حكما، ولا نرى لسنة نبيه فيها حكما، فماذا نصنع؟ قال صلى الله عليه وسلم: اجمعوا العباد، واجعلوها شورى ولا تقتدوا برأي واحد.