والمودة والقربى أول ما تكون تكون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت المودة ميل القلب لمن تهواه، فهذا الميل له تبعات، فلا تراه محتاجا وأنت واجد، ولا تراه جاهلا وأنت متعلم، وهكذا. ومن المودة في القربى بر الوالدين. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل بر الوالدين دربة ورياضة للإيمان بالله، لأنهما سبب الوجود المباشر، وهو سبحانه سبب الوجود الأعلى، فقال سبحانه:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..
[العنكبوت: 8] وفي آية أخرى
ووصينا الإنسان بولديه إحسانا..
[الأحقاف: 15]. حتى في حال عصيانهما في أعلى منطقة وهي منطقة العقيدة والتوحيد أمر ببرهما
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..
[لقمان: 15] وأعطى الاهتمام الأكبر للأم في قوله تعالى:
ووصينا الإنسان بوالديه..
[العنكبوت: 8] أي: الاثنين ولم يذكر حيثية للأب، إنما ذكر حيثية الأم فقال
حملته أمه وهنا على وهن..
[لقمان: 14] لأن دور الأم كان في حال الصغر وعدم التعقل لما تفعل، فدورها غائب عنك، سابق لوعيك وإدراكك للأمور، فلما كبرت عرفت دور الأب، لذلك ذكرك الحق سبحانه بدور الأم الذي غاب عنك. ثم نجد القرآن يحتاط فيراعي حق التربية، حتى إن ربى غير الوالدين فيقول:
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
[الإسراء: 24] فمن ربى كان في منزلة الوالدين واستحق البر مثلهما تماما. وقوله تعالى: ﴿ ومن يقترف حسنة.. ﴾ [الشورى: 23] يعني: يفعل طاعة لله ﴿ نزد له فيها حسنا.. ﴾ [الشورى: 23] فالأمر لا يقف عند حد المودة، إنما أيضا ترعاهم فيما يحتاجون إليه ﴿ إن الله غفور شكور ﴾ [الشورى: 23] غفور وشكور صيغة مبالغة من غافر وشاكر، فالحق سبحانه واسع المغفرة كثير الشكر، يغفر لمن تاب إليه ويشكر من أطاعه، والشكر يكون بالزيادة كما قال سبحانه:
لئن شكرتم لأزيدنكم..
[إبراهيم: 7].