42.13
هذه الآية هي المذكرة التفصيلية أو التفسيرية للآية الثالثة في أول السورة:
كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم
[الشورى: 3] والتفصيل بعد الإجمال أسلوب من أساليب القرآن الكريم. قوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين.. ﴾ [الشورى: 13] يعني سن لكم وبين ووضح، ومن هذه المادة شرع شرع وشريعة يعني طريقة واضحة، والإنسان فيه جانبان المادة والروح. فكما أن الحق سبحانه ضمن له بقاء حياة المادة بالماء والطعام والهواء، كذلك جعل له حياة لروحه حياة بالقيم والأخلاق. هذه القيم هي منهج الله الذي نزل على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذا المنهج تحيا القلوب والأرواح كما تحيا الأبدان بالطعام والشراب، وهذا الشرع وهذه القيم ليست جديدة في موكب الرسالات، بل هي سنة الله فيمن سبق كان لهم دين وشرع، كل بما يناسبه. لذلك قال بعدها: ﴿ ما وصى به نوحا.. ﴾ [الشورى: 13] يعني: ما أمر به نوحا وألزمه من التكاليف، واختار نوحا لأنه كان أول رسول في العموميات، وقد قال بعض العلماء أن نوحا أرسل كذلك للناس كافة على اعتبار أن الناس في زمنه كانوا هم ركاب السفينة، فعموميته خاصة بالموجودين معه على السفينة، أما عمومية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت عامة للناس في كل مكان على وجه الأرض. ثم تأمل هنا دقة الأداء القرآني في ﴿ ما وصى به نوحا.. ﴾ [الشورى: 13] ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، وكان المنطق أن يقول بعدها: وما أوحينا إليك. باسم الموصول ما لكن هنا الكلام عن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالذي وهي أم الموصولات كلها، ومع غيره جاءت ما وهي كما يقول النحويون اسم موصول بمعنى الذي، ثم تلاحظ الفعل وصى هكذا بالمفرد، إنما مع رسول الله قال: ﴿ والذي أوحينآ إليك.. ﴾ [الشورى: 13] بنون الجمع ويسمونها نون العظمة. ثم بعد ذلك يعود السياق إلى استخدام ما مرة أخرى: ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى.. ﴾ [الشورى: 13] وهذه تدل على خصوصية لسيدنا رسول الله من بين سائر الرسل عليهم جميعا السلام. قوله تعالى شرع ووصى، بماذا؟ تأتي بعده أن ويسمونها أن التفسيرية، يعني: تفسر لنا مدلول شرع ووصى ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. ﴾ [الشورى: 13] ومثله قوله تعالى:
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه..
[القصص: 7] إذن: وصى الله هؤلاء الأنبياء بأن يقيموا الدين وبعدم التفرق فيه والاختلاف. وإقامة الشيء أي جعله قائما، والقيام هو العمدة في الدلالة على القوة والمقدرة، فالإنسان لا يقوم إلا حال قوته، فإن تعب من القيام قعد، فإن تعب من القعود يضطجع، فالحق يريد منا أن نجعل الدين قائما يعني: نقوم به لا نقعد ولا ننام، فالقيام هنا كناية عن الاهتمام به والمحافظة عليه { ولا تتفرقوا فيه.
. } [الشورى: 13] نهى عن الاختلاف فيه. كلمة التفرق هذه وردت في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، اقرأ:
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين
[يوسف: 36] قوله:
إنا نراك من المحسنين
[يوسف: 36] دلت على أن الحسن مقدر حتى عند المسيء فالمعنى: ما جئناك إلا لأنك من المحسنين، ودرجة الإحسان لا تأتي منحة من الله إنما تأتي بالعمل والاستقامة على المنهج. وقد بين لهم هذا المنهج الذي رفعه إلى درجة الإحسان فقال:
إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
[يوسف: 37-38]. لذلك أراد سيدنا يوسف عليه السلام أن يفهمنا أن الوصول إلى درجة الإحسان يسير، وأن يشرح لهما الطريق أولا، فلم يحدثهما أولا عن تفسير الرؤيا إنما استغل الموقف لصالح دعوته ورسالته كداعية إلى الله ورآهما في حاجة للتوجيه والوعظ والنصح. ثم إن حاجتهم إليه لتفسير الرؤيا ستجعل الآذان مصغية لكلامه، لذلك دخل معهما في هذا الحوار الإيماني الدعوي: