تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم..

[الرعد: 6] فكأن المعصية التي فعلوها كانت تستوجب العقوبة، لكن عفو الله ومغفرته ورحمته بعباده علت على العقوبة. وقوله: ﴿ ويعفوا عن السيئات.. ﴾ [الشورى: 25] أي: يمحوها ﴿ ويعلم ما تفعلون.. ﴾ [الشورى: 25] لأن علمه تعالى محيط شامل لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فإذا كنت قد اقترفت سيئة ولا يعلم بها أحد فالله يعلمها ولا بد أن تتوب عنها، حتى خواطرك التي تجول في نفسك ولم تظهر على جوارحك يجب أن تتوب عنها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا... ﴾.

42.26

أي: ويستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات. والفعل ﴿ ويستجيب.. ﴾ [الشورى: 26] دل على سرعة الاستجابة، لذلك لم يقل يجيب ﴿ ويزيدهم من فضله.. ﴾ [الشورى: 26] تدل أيضا على أن الاستجابة من الله لهم، وفي المقابل ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد ﴾ [الشورى: 26] والعذاب الشديد للكافرين هو نهاية المطاف، لأن أول ما يقابلون به: الغضب من الله، ثم الحجاب، ثم اللعنة والإبعاد من رحمته، ثم العذاب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولو بسط الله الرزق... ﴾.

42.27

هذه الآية تقرر طبيعة في النفس الإنسانية، كما قال سبحانه في موضع آخر:

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7] لأن الرزق عندما يكون مبسوطا ميسرا لا يشغل المرء به ولا بالحركة من أجله، فلا يكد ولا يتعب ويتفرغ لأمور أخرى تشغله ومنها البغي. لذلك لما تحدث القرآن عن قارون، وهو أوضح مثال للغنى الطاغي، قال سبحانه:

إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم..

[القصص: 76] إذن: النعمة والثراء قد يدعوان الإنسان إلى الطغيان والبغي بغير الحق، وبسطة الرزق تعني سعته وتيسير سبله، وهي في هذه الحالة نوع من الابتلاء. وقوله: ﴿ ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير بصير ﴾ [الشورى: 27] أي: يسوق الرزق بقدر معين وبحساب على مقتضى علمه سبحانه وحكمته في تدبير شئون خلقه، فيعطيهم بحساب بحيث لا يصل العبد إلى مرحلة الطغيان والبغي، وهو سبحانه أعلم بطباع عباده وأعلم بما يصلحهم، لذلك ورد في الحديث القدسي:

" إن من عبادي من إذا أغنيته لفسد حاله، ومنهم إذا أفقرته لصلح حاله ".

وقد اهتم الإسلام بالجانب الاقتصادي في حركة الحياة وفرض الزكاة من أجل استطراق الخير في المجتمع، وعلمنا أن نفرق بين الفقر عن عجز واحتياج، والفقر عن حرفة وخداع، فمن يتخذ الفقر حرفة ليس له نصيب، ولا يصح أن تعينه على التكاسل والقعود عن العمل. أما العاجز فمستحق، لأنه غير قادر على الكسب، لذلك جعل الله له جزءا في مال القادر يصل إليه، وهو معزز لا يريق ماء وجهه للقمة العيش، بل يحفظ له الحق سبحانه كرامته، ويجعلك أنت أيها الغني القادر تذهب إليه وتطرق عليه بابه وتعطيه ليعلم أن الله حين سلبه قدرته سخر له قدرات الآخرين. كذلك مثلا في فريضة الحج ترى غير المستطيع حزينا لأنه لم يحج، والواقع أنه أحظ عند الله من المستطيع الذي يحج لأن المستطيع قد يؤدي ولا يقبل منه، أما غير المستطيع فقد سقط عنه الفرض أصلا. ويقولون: إن نسبة تسعين بالمائة من الناس لم يروا البيت يعني لم يطوفوا به، فهل يعني هذا أن الله يحرمهم رؤيته؟ لا بل لهم منه نصيب كما قيل: " من الناس من يطوف بالبيت، ومن الناس من يطوف بهم البيت ". ثم إن حالة الفقر هذه أو العجز لا تدوم مداولة بين الناس، كما قال سبحانه:

وتلك الأيام نداولها بين الناس..

[آل عمران: 140]. وسبق أن بينا أن الفقر في المجتمع له حكمة، لأن حركة المجتمع ومصالح الناس لا يمكن أن تقوم على التفضل، إنما تقوم على الحاجة، فحين تلجئك الحاجة تعمل ولا تستنكف من العمل الشاق أو الحقير، وإلا فمن سيقوم بهذه الأعمال. ورأينا العامل حين يرضى بقدر الله فيه ويخلص في عمله يقول الله له: رضيت بقدري فسأعطيك على قدري. فتراه بعد فترة أصبح صاحب عمل بعد أن كان أجيرا، لأنه أخلص لصاحب العمل ولم يحقد عليه، ولم يكره النعمة عنده. إذن: الحق سبحانه لا يضيق الرزق ولا يعطي بقدر إلا في مظنة الضرر، فمن علم الله منه أن بسطة الرزق تفسده يضيق عليه منافذ الرزق ليصلحه بالفقر. فالأصل أنه تعالى جواد كريم يبسط رزقه لعباده، لذلك يقول في الآية بعدها: ﴿ وهو الذي ينزل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٢٤