42.9
بعد أن قرر الحق سبحانه أن الظالمين ما لهم من ولي ولا نصير يسوق هذا السؤال: ﴿ أم اتخذوا من دونه أوليآء ﴾ [الشورى: 9] هل لهم أولياء لا نعلمهم، فالاستفهام هنا للنفي والإنكار، وما داموا ليس لهم أولياء فلماذا لم يتخذوني وليا لهم، أو يكون المعنى: بل اتخذوا من دونه أولياء، وعليهم أن يتفكروا في ذلك، وأن يراجعوا أنفسهم. ﴿ فالله هو الولي ﴾ [الشورى: 9] الولي الحق لمن أراد وليا وناصرا ﴿ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9] جاء هنا بصفتين لا يستطيعهما أحد من أوليائهم إحياء الموتى والقدرة، وهذه الصفات الخاصة به سبحانه نجدها في القرآن دائما مقرونة بضمير الفصل للتأكيد على أنها لله وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال: ﴿ فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9]. وقال سبحانه:
وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا
[النجم: 43-44] فهذه أفعال لا يقدر عليها إلا الله وحده، فمعنى أضحك وأبكى أوجد فيك غريزة الضحك وغريزة البكاء، بدليل أنها موجودة في كل بني آدم وفي كل الجنسيات، الضحك واحد عند العرب، وعند الهندي، وعند الروسي ومثله البكاء فهي إذن غريزة، وكذلك مسألة الحياة والموت هي لله وحده لا يقدر عليها أحد سواه. وفي قصة سيدنا إبراهيم يقول وهو يعدد نعم الله عليه:
الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين
[الشعراء: 78-81]. ففي الأمور التي فيها شبهة فعل لغير الله يأتي بضمير الفصل هو لتأكيد أن الفعل لله وحده كما في ﴿ فهو يهدين ﴾ [الشعراء: 78] لأن الهداية قد تأتي على يد أحد من البشر، وفي ﴿ يطعمني ويسقين ﴾ [الشعراء: 79] فالأب مثلا قد يظن فيه أنه الذي يطعمني ويسقين، كذلك في ﴿ يشفين ﴾ [الشعراء: 80] لأن الطبيب قد يظن البعض أن بيده الشفاء، أما في الأفعال التي لا شبهة لتدخل أحد فيها فيأتي بها دون توكيد لأنها خالصة لله تعالى دون منازع ﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾ [الشعراء: 81]. وإحياء الموتى يراد به البعث في الآخرة، وقد رأينا مثالا له في الدنيا كقصة العزير التي حكاها القرآن:
أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير
[البقرة: 259]. ذلك لأن الشعور بالزمن يأتي من الأحداث، فحين تنعدم الأحداث ينعدم الشعور بالزمن، لذلك لما مات عزير مائة عام قال لما أحياه الله: لبثت يوما أو بعض يوم، فأراد الحق سبحانه أن يثبت له صدقه في يوم أو بعض يوم بنظره إلى طعامه الذي كان معه حيث وجده كما هو لم يتغير ولم يتلف، وأن يثبت صدق الحق سبحانه في المائة عام، فقال له: انظر إلى حمارك وكيف صار عظاما بالية، وهذا لا يحدث إلا في مائة عام. وقوله تعالى: ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9] دلت على طلاقة القدرة لله تعالى، وهذه القدرة مشاهدة في آياته الكونية في السماوات وفي الأرض وفي الأنفس، كلها تشهد لله بالقدرة المطلقة. نعم، الله على كل شيء قدير وقد أرانا نماذج من إحياء الموتى في الدنيا لنأخذ منها دليلا على صدقه تعالى في إحياء الموتى في الآخرة، مرت بنا قصة إحياء العزير الذي أماته الله مائة عام. نموذج آخر في قوله تعالى:
ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
[البقرة: 243]. ومن عظمة الحق سبحانه وقدرته على كل شيء أن يعدى إلى خلقه شيئا من قدرته، فيجعل مثلا سيدنا إبراهيم قادرا على إحياء الموتى بإذن الله، القوي من البشر مثلا حين يرى ضعيفا يعينه ويعدى إليه أثر قوته فيحمل له متاعه ويظل الضعيف ضعيفا. أما الحق سبحانه فإنه حين يعدي قوته إلى عبده يجعله يفعل بنفسه وينقل إليه شيئا من قدرته ومن صفاته تعالى فتصير القوة فيك ذاتية. تعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما أراد أن يرى عملية إحياء الموتى بنفسه فطلب من ربه ذلك: