تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42.24

الكلام هنا عن كفار مكة الذين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كذب القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله ﴿ أم يقولون.. ﴾ [الشورى: 24] أي الكفار ﴿ افترى على الله كذبا.. ﴾ [الشورى: 24] يعني: جاء بالقرآن من عنده. والافتراء منهم هم، فهم أهل الكلام وأصحاب القصائد والخطب، وما عرفوا عن محمد - وقد عاش بينهم - أن له ريادة في هذا المجال. إذن: أنتم أصحاب هذا الفن ولسانكم طويل، فلماذا لم تأتوا بمثل ما جاء به؟ ولو حتى بسورة واحدة؟ فلو أن الافتراء وارد في حق محمد فأنتم أولى، فلماذا تحداكم القرآن ولم تأتوا بشيء؟ لا بعشر سور ولا بسورة واحدة. وفي موضع آخر يرد القرآن عليهم بالمنطق وبالحسنى:

أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون

[هود: 35]. لذلك ينتقل سياق الآية من الحديث عن الكافرين وافترائهم على رسول الله إلى مخاطبة الرسول ﴿ فإن يشإ الله يختم على قلبك ﴾ [الشورى: 24] يعني: إن حدث منك أن افتريت القرآن وجئت به من عند نفسك، فالله قادر أن يختم على قلبك يا محمد فتنسى الذي تحفظه، وهل حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بل ظل القرآن في صدره يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ويعلمه للناس. إذن: محمد لم يكذب القرآن، ولم يفتر على الله بل أنتم المفترون. والقرآن في مواضع كثيرة يكشف افتراءهم ويرد عليهم بالعقل وبالمنطق وبالتي هي أحسن، فيحكى كيف يتمحكون في هذه المسألة:

ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر..

[النحل: 103] فقد اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه القرآن، فيرد عليهم الحق سبحانه

لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين

[النحل: 103]. فالرجل الذي تقولون إن محمدا يتردد عليه ليعلمه القرآن رجل أعجمي والقرآن بلسان عربي واضح، فأين عقولكم، وإن كنت كذوبا فكن ذكورا حتى لا ينكشف زيفك وباطلك. ويحكي القرآن عنهم لونا آخر من التعنت والعناد:

وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون

[يونس: 15-16]. نعم جاء محمد بالقرآن بعد الأربعين، وهو بين أظهرهم، وما رأوه خطيبا ولا شاعرا، ولم يعرف عنه شيء من ذلك. فلما يئسوا قالوا: القرآن لا بأس به، لكن يعيبه أنه نزل على محمد بالذات:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. ثم يفضح الحق سبحانه موقفهم ويبين غباءهم ولددهم في الباطل، وأن هذه الخصومة ما هي إلا عناد وتكبر عن قبول الحق، فيقول:

وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32]، فهل هذا كلام عقلاء، أم هو الحقد على محمد بذاته؟ ثم يقول سبحانه: ﴿ ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور ﴾ [الشورى: 24] الفعل يمحو وحذفت الواو تخفيفا، والذي يمحى هو الباطل الذي قالوه، والافتراء الذي كذبوه على رسول الله، هذا يمحوه الله وفي المقابل ﴿ ويحق الحق.. ﴾ [الشورى: 24] يثبته ويقويه ﴿ بكلماته.. ﴾ [الشورى: 24] أي المنزلة على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم. أو يراد بالكلمات كلمة كن فيكون ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ [الشورى: 24] يعني: عليم بخفايا والذي لا يستطيع الإنسان التعبير عنه باللسان فيكتمه في نيته وفي نفسه، كما قال سبحانه

يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور

[غافر: 19]. إذن: ظل هؤلاء القوم يعاندون رسول الله ويحقدون عليه ويصادمون دعوته ويتهمونه، إلى أن كشف الله باطلهم وأزهقه، وانتهى أمرهم إما بالإسلام أو الهزيمة أو شملهم عفو رسول الله يوم فتح مكة يوم أن قال لهم: " ما تظنون أني فاعل بكم " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". إذن:جاء نصر الله والفتح، وزهق الباطل، وثبت الحق، وعلا وانتصر، وهل يعقل أن يرسل الله رسولا لهداية الخلق، ثم يسلمه لأعدائه أو يخذله في مواجهته للباطل؟ قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٢٢