تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولباس التقوى ذلك خير

[الأعراف: 26] لأن لباس الدنيا يستر عورتك. وتحميك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وفي الآخرة، ويعطيك حياة أخرى أبقى وأدوم. هذا كله من ملك الله الذي في الأرض، فإن نظرت إلى أعلى تجد الهواء وهو نعمة في طياتها نعم كثيرة، فالهواء عنصر هام في بقاء الحياة للكائنات الحية، وهو المادة الموصلة التي ينتقل بها الصوت والصورة التي نراها في التليفزيون مثلا. ثم تأمل في السماء من شمس وقمر ونجوم وكواكب ومجرات، كلها آيات كونية ملك لله تعالى لا يتصرف فيها غيره سبحانه. ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ [الشورى: 4] العلي لا تعني أنه عال في المكان فقط، إنما العلي يعني المتعالي عن كل شيء في الوجود ﴿ العظيم ﴾ أيضا لا تعني ضخامة الحجم، إنما العظيم بقيومته وقدرته وصفات كماله.

42.5

قوله تعالى: ﴿ تكاد السموت.. ﴾ [الشورى: 5] أي: تقترب وتوشك ﴿ يتفطرن ﴾ [الشورى: 5] يتشققن إما هيبة لله ومن عظمته سبحانه، كما ورد في الحديث الشريف:

" أطت السماء وحق لها أن تئط "

وإما تشققت غضبا من الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ﴿ من فوقهن.. ﴾ [الشورى: 5] يجوز من فوق ملائكة الملأ الأعلى، حيث هيبة الملائكة من الله، وتعظيمهم له سبحانه، أو من فوق الأرض حيث البشر أصحاب الذنوب والذين قالوا اتخذ الله ولدا، لأن الحق سبحانه رد عليهم:

لقد جئتم شيئا إدا

[مريم: 89] أي: عجيبا وغريبا لا يقبله العقل

تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا

[مريم: 90]. فالولد إنما يطلب إنا للمعونة في وقت الضعف والشيخوخة، وإما لبقاء الذكر، وهذه أمور لا تجوز، ولا تنبغي للحق سبحانه لأنه غني عنها، لذلك قال تعالى:

وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا

[مريم: 92] أي: أن الحق سبحانه لو أراد أن يتخذ ولدا لفعل، حيث لا يمنعه من ذلك مانع، إنما جلال الله وعظمته وقيوميته تعالى لا ينبغي لها ذلك، لا يجوز ولا يصح أن يكون له ولد، ونفي الانبغاء يدل على الكمال. ومثال ذلك قوله تعالى في شأن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:

وما علمناه الشعر وما ينبغي له

[يس: 69] عندما اتهمه الكفار بأنه شاعر، والمعنى: أنه لا يقول الشعر ليس لأنه عاجز عن قوله، بل عنده أدوات الشعر ويستطيعه، لكنه لا ينبغي أن يقوله ولا يصح، لأن الله يعده لأمر أعظم من شعركم. فقوله سبحانه

وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا

[مريم: 92] تأكيد أنه تعالى لو أراد له ولدا لفعل، لكن هذا أمر لا ينبغي في حقه تعالى لأنه منزه عنه، لذلك قال في موضع آخر:

قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين

[الزخرف: 81] يعني: على فرض أن اتخذ ولدا فسأكون أول المؤمنين به. وقوله: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ﴾ [الشورى: 5] الملائكة من الغيبيات، والسماء والأرض من الحسيات، فالحسيات غاضبة تكاد تتشقق من هذا القول، أما الملائكة فيسبحون بحمد ربهم وينزهونه عن اتخاذ الولد، وجاء التسبيح قبل التحميد، التسبيح يعني نفي المماثلة لأي كائن من كان، أما التحميد فيجب لله تعالى على نعمه ومنحه، فالتسبيح أولى من التحميد ومقدم عليه. وقوله تعالى: ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] فهم لا يستغفرون لأنفسهم، بل يستغفرون لمن في الأرض، وهذا يعني أنهم بلا ذنوب، ولو كان لهم ذنوب لاستغفروا لأنفسهم من باب أولى. والاستغفار هنا عام لكل من في الأرض بما فيهم الكفار. وفي موضع آخر قال:

ويستغفرون للذين آمنوا

[غافر: 7] أما هنا فقال: ﴿ لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] فشمل الجميع، والاستغفار لغير المؤمنين طلب المغفرة لهم وطلب الهداية، وأن يلهمهم الله الإيمان به.

أما الحديث الشريف الذي ورد فيه:

" ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي مناد من قبل الله تعالى يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٩٣