والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17] وهداية رسول الله هداية إرشاد وبيان فقط، وقد أوضحنا هذه المسألة. قوله تعالى: ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ [الشورى: 52] أي: ترشد وتدل، والصراط المستقيم هو الطريق السوي المستقيم الذي يوصلك إلى غايتك في أسرع وقت وبأقل مجهود ودون عناء، لأن الطريق كلما اعوج ازداد زمنه ومشقته، ثم إن هذا الطريق صراط يعني محدد مثل الشعرة، وهذا يعني أنك لا بد أن تسير عليه بانضباط، لا تنحرف عنه يمينا ولا شمالا، لذلك قال في موضع آخر
سوآء السبيل
[الممتحنة: 1] يعني: وسطه. والمراد بالصراط المستقيم المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله، هذا المنهج الذي يصحبك في الدنيا لتستقيم به أمور حياتك، ثم يعطيك الجزاء في الآخرة، لذلك الحق سبحانه علمنا أن ندعو ونقول:
اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم..
[الفاتحة: 6-7]. ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط: ﴿ صراط الله الذي له ما في... ﴾.
42.53
قوله تعالى: ﴿ صراط الله.. ﴾ [الشورى: 53] أضاف الصراط إليه سبحانه، فهو صاحبه وواضعه ليس من إنشائكم. يعني: لا دخل للعبد فيه، وطالما أنه من الله فينبغي عليكم اتباعه والحذر من الانحراف عنه. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بهذه الصفة ﴿ الذي له ما في السموت وما في الأرض.. ﴾ [الشورى: 53] يعني: صاحب هذا الصراط له ملك ما في السماوات وما في الأرض، يعني في الدنيا، ثم تصير الأمور إليه وحده في الآخرة. ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ [الشورى: 53] وهذا أسلوب قصر يعني: إلى الله وحده لا إلى أحد غيره. إذن: هذا الصراط وهذا المنهج وضعه لكم الذي يملك الدنيا ويملك الآخرة، فمن سار على منهجه في الدنيا لم يحرم الجزاء في الآخرة. فالدنيا كلها من بداية صائرة إلى غاية هي الآخرة، والغاية هذه إلى الله وحده، فما بين من و إلى أحسنوا أموركم فيها لأنكم صائرون منها إلى الله، وتذكروا أن دار العمل موقوتة، وأن دار الجزاء خالدة باقية، هذه دار شقاء وعنت، وهذه دار نعيم، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن يخطب الحسناء يغلها المهر. وتأمل كيف ختمت هذه السورة بقوله تعالى: ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ [الشورى: 53] ألا أداة تنبيه، والتنبيه لا يكون إلا لأمر مهم ينبغي الاهتمام به ولا نغفل عنه، قلنا: لأن المتكلم هو الذي يعي كلامه ووقته ولا يغفل عنه، أما المخاطب فقد يغفل عما يقال فيحتاج إلى تنبيه في الأمور المهمة. هذا الأمر المهم ما هو؟ هو ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ [الشورى: 53] هذه برقية موجزة في ختام السورة في طياتها كلام كثير، حتى في البشر حينما يوصي الإنسان أولاده مثلا قبل موته لا يوصيهم بكل تفاصيل حركة الحياة، إنما بالأمور المهمة. فقوله سبحانه: ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ [الشورى: 53] يعني: تنبهوا أن المسألة كلها من الله وإلى الله، من الله منهج، وإلى الله مرجع ومصير. فانظر في حركتك واجعلها موافقة لهذا المنهج، واعلم أنك راجع إليه، وأمرك صائر إليه وحده، لأنه سبحانه لم يخلقنا عبثا، ولن يتركنا سدى. هذه حقيقة ينبغي ألا تغيب أبدا عن عقولنا.