تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله: ﴿ في روضات الجنات.. ﴾ [الشورى: 22] روضات جمع روضة، وهي الحديقة أو البستان المليء بالخضرة والنضرة والأزهار والثمار، بحيث إذا دخلتها تنفحك بأريج عطرها، وفي خلال ذلك أنهار تجري بالماء العذب. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يعني: في أفضل أماكنها وأطيبها ﴿ لهم ما يشآءون عند ربهم.. ﴾ [الشورى: 22] فهذه العندية أشرف وأعظم من أي نعيم آخر، فهم في نعيم الجنات وملاذها، يفوق ذلك كله أنهم عند ربهم، لذلك ختم الآية بقوله: ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ [الشورى: 22] أي: تفضلا من الله وتكرما عليهم. والإنسان منا حين يتأمل هذا النعيم الدائم المقيم الذي أعده الحق سبحانه لعباده المؤمنين تهون عليه كل مشاق الطاعات والعبادات، ويرى أنها يسيرة إذا ما قورنت بالجزاء عليها. فالإنسان يتعب في الدنيا ويجتهد في طلب العلم عشرات السنين، أو في تعلم صنعة أو مهنة ويتحمل مصاعبها وأخطارها، كل ذلك ليوفر لنفسه مجرد ضروريات الحياة، فإن اجتهد أكثر وعرق وبذل الجهد، ربما يصل إلى مرحلة الرفاهية، فيكون له خادم يخدمه أو طباخ مثلا يعد له الطعام، وهؤلاء يعملون عنده بأجر وربما قصروا في أعمالهم، وربما أغضبوك وتمردوا عليك. لكن حين تعمل للآخرة تجد الأمر مختلفا تماما، فالعبادة أمرها يسير، لا تحتاج منك إلى كل هذا الجهد وهذا العرق وسهر الليل وعمل النهار وانشغال البال والذهن، ومع يسرها وسهولتها فالجزاء عليها عظيم لا تحده حدود ولا يخطر على بال. قلنا: إن قصارى ما توصل إليه البشر في التقدم العلمي في مجالات الخدمة الفندقية مثلا أن تضغط على زر في ماكينة ينزل لك منها الشاي أو القهوة، وهذه آلة يمكن أن تتعطل وخلفها عامل يعد لك الشاي أو القهوة، أما في الجنة فالنعيم هناك صاف لا ينغصه شيء ودائم لا ينقطع، لا يحتاج منك إلى طلب ولا ضغط على زر ولا مناداة على خادم، مجرد أن يخطر الشيء ببالك تجده بين يديك، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

واقرأ مثلا في سورة البقرة:

وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيهآ أزوج مطهرة وهم فيها خلدون

[البقرة: 25]. ففي الجنة إن شاء الله سنجد أشياء كنا نأكلها في الدنيا، فنتصور أنها مثل نعيم الدنيا، لكن حين نتذوقها نجدها شيئا آخر

قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها..

[البقرة: 25] ذلك لأن كمالات الحق سبحانه لا تتناهى، فلا تظل على حالة واحدة رتيبة، إنما فيها ارتقاء في النعمة.

إذن: نحن أمام نعيم دائم يهون في سبيله كل تعب وكل مشقة، ووالله لو لم يكن للطاعة جزاء إلا سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا لكانت كافية، يكفينا من الطاعة راحة البال وهدوء النفس والطمأنينة. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى فقال:

قال المنجم والطبيب كلاهما

لا تبعث الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

أو صح قولي فالخسار عليكما

لذلك الحق سبحانه وتعالى لما أراد أن يصف لنا الجنة لم يصف الجنة ذاتها إنما مثلا لها، لأن الجنة وما فيها فوق تصور البشر، وإذا كان فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيكف إذن توصف لنا على حقيقتها؟ لأن الإنسان لا يضع اللفظ إلا لمسمى معلوم عنده، أما الشيء الذي لا نعرفه فلا نعرف بالتالي اللفظ الدال عليه، فليس في لغتنا ألفاظ تصف هذا النعيم، لذلك اقرأ:

مثل الجنة التي وعد المتقون..

[الرعد: 35] فيها كذا وكذا. ثم إن هذا النعيم المقيم جزاء لمن؟ لمن آمن وقرر الإيمان بالعمل الصالح، ودائما يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣١٩