تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

[يوسف: 39] ثم راح يحدثهم في العقيدة وتصفيتها من شوائب الشرك

ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[يوسف: 40]. وبعد أنهى مهمته كداعية، أخذ يفسر لهما الرؤيا:

يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان

[يوسف: 41]. ولو أن يوسف عليه السلام قدم تفسير الرؤيا على النصيحة ما كان أخذ من صاحبيه الاهتمام المطلوب، لأن العادة أن يكون الإنسان رهن حاجته فإن قضاها انصرف عنك، وهذه المسألة تعلمنا: إذا كان لك حاجة عند المحتاج إليك فابدأ بها لتجد الاهتمام المطلوب، لأنه في مجيئه إليك شعور بأنك الأعلى. إذن: قوله سبحانه: ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. ﴾ [الشورى: 13] لا تأخذوا أربابا من دون الله، أو لا تتفرقوا في الدين شيعا وأحزابا، كما في قوله تعالى:

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء..

[الأنعام: 159] فساعة تتشتت الجماعة فرقا اعلم أنهم جميعا جانبوا الصواب، لأن الحق واحد يجب أن نلتف جميعا حوله. { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه.

. } [الشورى: 13] كلمة كبر بالضم يعني عظم عليهم وشق عليهم، أما كبر بالفتح فتقال للسن فالمشركون عظم عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وشق عليهم أن ينطقوا بكلمة الشهادة لا إله إلا الله، وهم يفهمون جيدا معناها ومقتضاها، فهي عندهم ليست كلمة تقولها الألسنة إنما هي منهج حياة لها متطلبات، وإلا لكانوا قالوها. عظم في أنفسهم وشق عليهم أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم السادة أصحاب السلطة الزمنية من قديم، فكيف يأتي الإسلام ويسوي بين السادة والعبيد فكبر عليهم ذلك، وعظم في أنفسهم. لذلك وقفوا في وجه رسول الله وعادوه وأخذوا منه موقف اللدد والخصومة، لكن الحق سبحانه يطمئن رسوله فيقول بعدها: ﴿ الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب ﴾ [الشورى: 13]. الحق سبحانه وتعالى يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: لا تهتم بموقفهم العدائي لك ومصادمتهم لدعوتك، فهذا أمر طبيعي فوقوفهم في وجهك شهادة لك أنك على حق، لأنك ستأخذ منهم وتسلبهم السيادة التي كانت لهم، وتمنع الفساد المنتشر في مجتمعهم وهم منتفعون بهذا الفساد، والناس مستكينة لهم لأنهم مستضعفون لا حيلة لهم. إذن: عداؤهم لك أمر طبيعي، فهم يسيرون وفق طبيعتهم وأنت تسير وفق طبيعتك، يعني من شيمتهم الأعتداء والعناد والمكابرة، ومن شيمتك التحمل للأذى. فكأن قوله تعالى: ﴿ الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب ﴾ [الشورى: 13] إشارة إلى أن هؤلاء الصناديد المعاندين للدعوة سوف يكون منهم أنصار لها وأعلام في سمائها، فلا تعجل ولا تحزن ولا تهتم، سوف نأخذهم إلى ساحة الإيمان واحدا تلو الآخر، وبالفعل صدق الله فيما أخبر به رسوله، فقد دخل في الإسلام عمر وخالد وعمرو وعكرمة وغيرهم. كلمة يجتبي بمعنى يختار ويصطفي من عباده من يشاء لنصرة دينه، وهذا الاصطفاء كأنه مقدمة للهداية، لذلك قال بعدها: ﴿ ويهدي إليه من ينيب ﴾ [الشورى: 13] فيصطفيهم أولا بأن يبعدهم عن عداوة الدعوة، ويحبب إليهم الإيمان كأنه يجهزهم لهذه المهمة. قرأنا في تاريخ الغزوات مثلا أن أحد الصحابة يعود من الحرب حزينا لأنه أفلت منه خالد أو عمرو أو عكرمة ويقول: كنت على وشك أن أقتله لولا كذا وكذا، وهو لا يدري أن الله يدخره لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فالله تعالى كان يدخر هؤلاء وكان يعدهم ويجتبيهم، ثم بعد فترة هداهم للإسلام، فكانوا هم حملة رايته وقادة مسيرته. وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله تعالى ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى.. ﴾ [الشورى: 13] يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل واحدة، ثانيا: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله تعالى قال في موضع آخر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٣٠٧