ولما تتأمل مسألة تضييق الرزق على بعض الخلق تجد له حكمة اجتماعية، هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو أن المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزق، من سيقوم على خدمتهم؟ من يصنع لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟ إذن: لا بد من وجود طبقة الفقراء لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط عناصر المجتمع. ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه مليان لا يعمل إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا.. وأذكر من نوادر أستاذنا الشيخ موسى شريف رحمه الله أن كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق العلماء واغنهم وافقر الصناع، فلما سألناه قال: لأن العالم إن لم يكن غنيا ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان محتاجا للمال. وسبق أن قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص له مدة عشر سنين يعيش مرتاحا باقي عمره، وإن اجتهد عشرين سنة ارتاح وأراح أولاده من بعده، وإن اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على قدر العمل يكون العطاء. ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلب الأحوال، والحق سبحانه يقول:
وتلك الأيام نداولها بين الناس..
[آل عمران: 40] فالنعمة وبسطة الرزق عندك اليوم، وقد تصبح عند غيرك أو تمسي.