يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم
[الأنفال: 24] ما معنى يحييكم هنا ألم يخاطبهم وهم أحياء يسمعون؟ إذن: المراد حياة أخرى غير حياة المادة، المراد حياة القيم والروح، الحياة الخالدة التي لا تفوتك ولا تفوتها. لذلك يسمى المنهج الذي يمنحك هذه الحياة روحا قال تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52] نعم روحا، تعطيك الحياة الأبدية أما الروح الأولى فتعطيك فقط الحياة الدنيا، ويسمى كذلك الملك الذي ينزل بالمنهج روحا:
نزل به الروح الأمين
[الشعراء: 193]. إذن: نفهم أن الحياة المطلوبة ليست هي الحياة الدنيا، إنما الدنيا وسيلة وأداة موصلة إلى غاية أفضل منها، ولكي أصل إلى هذه الغاية ينبغي علي أن أستقيم على منهج من سيعطيني هذه الحياة. إذن ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ [الشورى: 10] جمعت بين لفظ الألوهية والعبادة والتكليف وبين لفظ الربوبية التي تربي وتعطي وتمنح. وتأمل آداء القرآن في مسألة التوكل عليه توكلت أهل اللغة يسمون هذا الأسلوب أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور عليه مقدم على الفعل توكلت وهذا يفيد القصر والحصر، فتوكلي على الله لا على سواه على الله فحسب، أما لو قلت: توكلت على الله يجوز أن تزيد عليها: وعلى فلان.
فأسلوب القصر يقصر التوكل على الله وحده. قالوا: والتوكل على الله رصيد من فقد الأسباب وخرج من حوله وقوته إلى قوة ربه وخالقه لأن الله تعالى جعل لكل شيء أسبابا، فإذا عزت الأسباب نلجأ إلى المسبب سبحانه:
أمن يجيب المضطر إذا دعاه
[النمل: 62]. والمضطر هو الذي استنفد كل الأسباب المتاحة، وعندها لا يسلم نفسه للأحداث ولا ييأس، إنما يقول: إن لي ربا فوق الأسباب، فهو خالقها ومسببها ولن يتخلى عني حين ألجأ إليه. وسبق أن ذكرنا لكم قصة سيدنا موسى عليه السلام لما أدركه فرعون وجنوده وحاصروهم عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب موسى
إنا لمدركون
[الشعراء: 61] فواقع الأحداث أن البحر أمامهم والعدو خلفهم ولا مفر، لكن لموسى مع ربه حسابات أخرى، فقال ردا عليهم:
قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62]. وهذا هو التوكل الذي يعتمد على الثقة بالله، توكل المضطر الذي عزت عليه أسبابه، ولم يبق له إلا أن يلجأ إلى الله، لذلك جاء الجواب من الحق سبحانه معجزة خالدة باهرة:
أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين
[الشعراء: 63-66]. كذلك في ﴿ وإليه أنيب ﴾ [الشورى: 10] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور على الفعل يعني: أرجع إليه وحده لا إلى أحد سواه. وتلحظ على الأسلوب هنا أن التوكل جاء بصيغة الماضي ﴿ عليه توكلت ﴾ [الشورى: 10] أما الإنابة فجاءت بصيغة المضارع ﴿ وإليه أنيب ﴾ [الشورى: 10] هذه الدقة في التعبير، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله. فطبيعي أن تجد هذه الحبكة والدقة اللغوية، ذلك لأن التوكل عقيدة راسخة من أول الأمر وقبل أن تتكلم في التوكل، فهو ناشئ أولا وموجود، أما الإنابة إليه والرجوع فيكون وقت الحدث في المستقبل حينما نرجع إليه سبحانه. ثم يتحدث عن حيثية أخرى من حيثيات قدرته تعالى وأنه هو الولي الحق: ﴿ فاطر السموت والأرض جعل لكم... ﴾.