تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.98

وهكذا يمكن أن تذهب عنك أي ضيق، أن تسبح الله. وإذا ما جافاك البشر أو ضايقك الخلق فاعلم أنك قادر على الأنس بالله عن طريق التسبيح ولن تجد أرحم منه سبحانه، وأنت حين تسبح ربك فأنت تنزهه عن كل شيء وتحمده، لتعيش في كنف رحمته. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر:

فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون

[الصافات: 143-144]. ولذلك إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلى المسبب. ونحن دائما نقرن التسبيح بالحمد، فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، وسبحانه كامل في ذاته وصفاته وأفعاله، فذاته لا تشبه أي ذات، وصفاته أزلية مطلقة، أما صفات الخلق فهي موهبة منه وحادثة. وأفعال الحق لا حاكم لها إلا مشيئته سبحانه، ولذلك نجده جل وعلا يقول في مسألة التسبيح:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها..

[يس: 36]. وهو القائل:

فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون

[الروم: 17]. وكل من المساء والصباح آية منه سبحانه فحين تغيب الشمس، فهذا إذن بالراحة، وحين تصبح الشمس فهذا إذن بالانطلاق إلى العمل، وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك الله فيه أحد من خلقه أبدا. فكأن سلوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أن يفزع إلى ربه من قسوة الخلق ليجد الراحة النفسية لأنه يأوي إلى ركن شديد. ونجد بعضا من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس الإيمانية عزاء عن جفوة الخلق لهم فيقولون: " إذا أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يؤنسك به ". وأنت حين تسبح الله فأنت تقر بأن ذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، وأفعاله ليست كأفعالك وكل ذلك لصالحك أنت فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة عجز وأغيار أما قدرته سبحانه فهي ذاتية فيه ومطلقة وأزلية، وهو الذي يأتيك بكل النعم. ولهذا فعليك أن تصحب التنزيه بالحمد، فأنت تحمد ربك لأنه منزه عن أن يكون مثلك، والحمد لله واجب في كل وقت فسبحانه الذي خلق المواهب كلها لتخدمك، وحين ترى صاحب موهبة وتغبطه عليها، وتحمد الله أنه سبحانه قد وهبه تلك الموهبة فخير تلك النعمة يصل إليك. وحين تسبح بحمد الله فسبحانه لا يخلف وعده لك بكل الخير فكلنا قد نخلف الوعد رغما عنا، لأننا أغيار أما سبحانه فلا يخلف وعده أبدا ولذلك تغمرك النعمة كلما سبحت الله وحمدته. وزد خضوعا للمنعم، فاسجد امتثالا لأمره تعالى: ﴿ وكن من الساجدين ﴾ [الحجر: 98]. فالسجود هو المظهر الواسع للخضوع، ووجه الإنسان - كما نعلم - هو ما تظهر به الوجاهة وبه تلقى الناس وهو أول ما تدفع عنه أي شيء يلوثه أو ينال من رضاك عنه.

ومن يسجد بأرقى ما فيه فهذا خضوع يعطي عزة، ومن يخضع لله شكرا له على نعمه فسبحانه يعطيه من العزة ما يكفيه كل أوجه السجود، وكلنا نذكر قول الشاعر:

والسجود الذي تجتويه فيه

من ألوف السجود نجاة

والسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه. والإنسان يكره لفظ العبودية لأن تاريخ البشرية حمل كثيرا من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر. وهذا النوع من العبودية يعطي - كما نعلم - خير العبد للسيد ولكن العبودية لله تعطي خيره سبحانه للعباد، وفي ذلك قمة التكريم للإنسان. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ واعبد ربك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠١٧