تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.49

والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والإنباء هو الإخبار بأمر له خطورته وعظمته ولا يقال نبىء في خبر بسيط. وسبق أن قال الحق سبحانه عن هذا النبأ:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم

[النبأ: 1-2]. وقال سبحانه أيضا عن هذا النبأ:

قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون

[ص: 67-68]. ونفهم من القول الكريم أنه الإخبار بنبأ الآخرة ما سوف يحدث فيها، وهنا يأتي سبحانه بخبر غفرانه ورحمته الذي يختص به عباده المخلصين المتقين الذين يدخلون الجنة، ويتمتعون بخيراتها خالدين فيها. ولقائل أن يسأل: أليست المغفرة تقتضي ذنبا؟ ونقول: إن الحق سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجس ولا يمكن أن تسلم النفس من بعض الأخطاء والذنوب والوسوسة بدليل أنه سبحانه قد حرم الكثير من الأفعال على المسلم حماية للفرد وحماية للمجتمع أيضا، ليعيش المجتمع في الاستقرار الآمن. فقد حرم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزنا وشرب الخمر، وغيرها من الموبقات والخطايا، والهواجس التي تقوده إلى الإفساد في الأرض، وما دام قد حرم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف تقع، ونزل منهجه سبحانه محرما ومجرما لمن يفعل ذلك، كما يلزم كل المؤمنين به بضرورة تجنب هذه الخطايا. وهنا يوضح سبحانه أن من يغفل من المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها، عليه ألا يؤرق نفسه بتلك الغفلات فسبحانه رءوف رحيم. ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرف الله أهلها بنزول القرآن بها، نجد أقسام الكلام إما شعرا أو نثرا، والشعر له وزن وقافية، وله نغم وموسيقى، أما النثر فليس له تلك الصفات، بل قد يكون مسجوعا أو غير مسجوع. وإن تكلمت بكلام نثري وجئت في وسطه ببيت من الشعر، فالذي يسمعك يمكنه أن يلحظ هذا الفارق بين الشعر والنثر. ولكن القرآن كلام رب قادر لذلك أنت تجد هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بيت من الشعر فهي موزونة مقفاة: " نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم " ووزنها من بحر المجتث ولكنها تأتي وسط آيات من قبلها ومن بعدها فلا تشعر بالفارق، ولا تشعر أنك انتقلت من نثر إلى شعر، ومن شعر إلى نثر لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز، وتلك من أسرار عظمة القرآن. ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية: ﴿ وأن عذابي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٨٤