تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.53

هكذا طمأنت الملائكة إبراهيم عليه السلام، وهدأت من روعه، وأزالت مخاوفه، وقد حملوا له البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلام سيصير إلى مرتبة أن يكون كثير العلم. ويستقبل إبراهيم عليه السلام الخبر بطريقة تحمل من الاندهاش الكثير، فيقول ما ذكره الحق سبحانه: ﴿ قال أبشرتموني... ﴾.

15.54

ونعلم أن الحق - سبحانه وتعالى - يخلق الخلق على أنحاء متعددة حتى يعلم المخلوق أن خلقه لا ضرورة أن يكون بطريقة محددة بل طلاقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء الله. والشائع أن يولد الولد من أب وأم ذكر وأنثى. أو بدون الأمرين معا مثل آدم عليه السلام، ثم خلق حواء من ذكر فقط، وكما خلق عيسى من أم فقط، وخلق محمدا صلى الله عليه وسلم من ذكر وأنثى. وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلام يتعجب كيف يبشرونه بغلام، وهو على هذه الدرجة من الكبر، في قوله تعالى: ﴿ على أن مسني الكبر.. ﴾ [الحجر: 54]. يعني أن " على " هنا جاءت بمعنى " مع " أي: أنه يعيش مع الكبر ويرى أنه من الصعب أن يجتمع الكبر مع القدرة على الإنجاب. وأقول دائما: إن كلمة على لها عطاءات واسعة في القرآن الكريم، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي معنى معينا مثل قوله تعالى:

ولأصلبنكم في جذوع النخل

[طه: 71]. والصلب إنما يكون على جذوع النخل ولكن الحق سبحانه جاء ب في بدلا من على ليدل على أن الصلب سيكون عنيفا، بحيث تتدخل الأيدي والأرجل المصلوبة في جذوع النخل. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ أبشرتموني على أن مسني الكبر.. ﴾ [الحجر: 54]. أي: أتبشرونني بالغلام العليم مع أني كبير في العمر والمفهوم أن الكبر والتقدم في العمر لا يتأتى معه القدرة على الإنجاب. وهكذا تأتي " على " بمعنى " مع ". أي: كيف تبشرونني بالغلام مع أني كبير في العمر، وقد قال قولته هذه مؤمنا بقدرة الله فإبراهيم أيضا هو الذي أورد الحق سبحانه قولا له:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء

[إبراهيم: 39]. وكأن الكبر لا يتناسب مع الإنجاب، ويأتي رد الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن: ﴿ قالوا بشرناك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٨٨