15.18
وكلمة: ﴿ استرق ﴾ [الحجر: 18]. تحدد المعنى بدقة، فهناك من سرق وهناك من استرق فالذي سرق هو من دخل بيتا على سبيل المثال، وأخذ يعبئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد. لكن إن كان هناك أحد في المنزل فاللص يتحرك في استخفاء خوفا من أن يضبطه من يوجد في المنزل ليحفظه وهكذا يكون معنى " استرق " الحصول على السرقة مقرونة بالخوف. وقد كان العاصون من الجن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع للمنهج المنزل على الرسل السابقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة حيث شاء الحق سبحانه أن يحرس السماء وما أن يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب. والشهاب هو النار المرتفعة وهو عبارة عن جذوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة ويخرج منه اللهب. وهو ما يسمى بالشهاب. أما إذا كان اللهب بلا ذؤابة من دخان فهذا اسمه " السموم ". وإن كان الدخان ملتويا، ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيسمى " مارج " حيث قال الحق سبحانه:
مارج من نار
[الرحمن: 15]. وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب والسموم ومارج من نار. ويقول سبحان من بعد ذلك: ﴿ والأرض مددناها وألقينا... ﴾.
15.19
وحين نسمع كلمة الأرض فنحن نتعرف على المقصود منها، ذلك أنه ليس مع العين أين. والمد هو الامتداد الطبيعي لما نسير عليه من أي مكان في الأرض. وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها الحق سبحانه فلو كانت الأرض مربعة أو مستطيلة أو مثلثة لوجدنا لها نهاية وحافة، لكنا حين نسير في الأرض نجدها ممتدة، ولذلك فهي لا بد وأن تكون مدورة. وهم يستدلون في العلم التجريبي على أن الأرض كروية بأن الإنسان إذا ما سار في خط مستقيم فلسوف يعود إلى النقطة التي بدأ منها، ذلك أن منحنى الأرض مصنوع بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدار الانحناء فيه ويبدو مستقيما. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ وألقينا فيها رواسي.. ﴾ [الحجر: 19]. يعني أشياء تثبتها. ولقائل أن يتساءل: ما دامت الأرض مخلوقة على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟ ونقول: لا بد أن الحق سبحانه قد خلقها متحركة وعرضة لأن تضطرب فخلق لها المثقلات، وهكذا نكون قد أخذنا من هذه الآية حقيقتين التكوير والدوران. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه:
وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب
[النمل: 88]. ونفهم من هذا القول الكريم أن حركة الجبال ليست ذاتية بل تابعة لحركة الأرض كما يتحرك الحساب تبعا لحركة الرياح. وشاء سبحانه أن يجعل الجبال رواسي مثبتات للأرض كي لا تميد بنا فلا تميل يمنة أو يسرة أثناء حركتها. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ﴾ [الحجر: 19]. وأنبت سبحانه من الأرض كل شيء موزون بدقة تناسب الجو والبيئة، ويضم العناصر اللازمة لاستمرار الحياة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش... ﴾.