تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.13

وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة لا تلين بالإيمان ولا تحسن استقبال القرآن، ذلك أن قلوبهم ممتلئة بالكفر، تماما كما حدث من الأقوام السابقة، فتلك سنة من سبقوهم إلى الكفر. والسنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمقدمات وهي أولا وأخيرا قضايا واحدة. ومرة نجد الحق سبحانه يقول:

سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

[الأحزاب: 62]. ونعلم أن الإضافة تختلف حسب ما يقتضيه التعبير. ف سنة الأولين تعني الأمور الكونية التي قدرها الله لعباده. وسنة الله تعني سنة منسوبة لله، ومن سنن الحق سبحانه أن يهلك المكذبين للرسل إن طلبوا آية فجاءتهم، ثم واصلوا الكفر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء... ﴾.

15.14-15

وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم ملك من السماء لذلك نجد الحق سبحانه هنا يأتيهم بدليل أقوى مما طلبوا، ذلك أن نزول ملك من السماء هو أسهل بكثير من أن ينزل من السماء سلما يصعدون عليه، وفي هذا ارتقاء في الدليل لكنهم يرتقون أيضا في الكفر، وقالوا: إن حدث ذلك فلسوف يكون من فعل السحر. ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحرا لسحرهم، وجعلهم جميعا مؤمنين، وعلى الرغم من أن مثل هذا الأمر كان يجب أن يكون بدهيا بالنسبة لهم، لكنهم يتمادون في الكفر، ويقولون: إنه لو نزل سلما من السماء وصعدوا عليه لكان ذلك بفعل السحر ولكان رسول الله هو الذي سحرهم وأعمى أبصارهم، ولجعلهم يتوهمون ذلك. وكأن معنى هذا القول الكريم: لو ارتقينا في مطلبهم، وأنزلنا لهم سلما يصعدون به إلى أعلى ليقولوا: إن الحق هو الذي بعث محمدا بالرسالة، بدلا من أن ينزل إليهم ملك حسب مطلبهم لما آمنوا بل لقالوا: إن هذا من فعل سحر قام به محمد ضدهم. وهكذا يرتقون في العناد والجحود. ولا بد أن نلحظ أن الحق سبحانه قد جاء هنا بكلمة: ﴿ فظلوا ﴾ [الحجر: 14]. ولم يقل " وكانوا " ، ذلك أن " كان " تستخدم لمطلق الزمن، و " ظل " للعمل نهارا، و " أمسى " للعمل ليلا، أي: أن كل كلمة لها وقت مكتوب، والمقصود من " ظلوا " هنا أن الحق سبحانه لن ينزل لهم السلم الذي يعرجون عليه إلا في منتصف النهار، ولكنهم أصروا على الكفر. لذلك قال سبحانه: ﴿ فظلوا فيه يعرجون ﴾ [الحجر: 14]. أي: لن نأخذهم بالليل، حتى لا يقولوا إن الدنيا كانت مظلمة ولم نر شيئا، ولكنه سيكون في وضح النهار. أي: أن الله حتى لو فتح بابا في السماء يصعدون منه إلى الملأ الأعلى في وضح النهار لكذبوا. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الكون ليرينا عجيب آياته، فيقول: ﴿ ولقد جعلنا في السماء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٦٠