15.95
فبعد أن قال له:
وأعرض عن المشركين
[الحجر: 94]. وبعد أن ثبت لكل من عاش تلك الفترة أن كل مستهزىء بمحمد صلى الله عليه وسلم قد ناله عقاب من السماء. فها هو ذا الوليد بن المغيرة الذي يتبختر في ثيابه فيسير على قطعة من الحديد، فيأنف أن ينحني ليخلص ثوبه الذي اشتبك بقطعة الحديد فتجرح قدمه وتصاب بالغرغرينا ويقطعونها له، ثم تنتشر الغرغرينا في كل جسده إلي أن يموت. وها هو الثاني الأسود بن عبد يغوث يصاب بمرض في عينيه ويصاب بالعمى، وكذلك الحارث بن الطلاطلة، والعاص بن وائل. وكل مستهزىء برسول الله صلى الله عليه وسلم قد ناله عقاب ما، ومن لم تصبه عاهة أو آفة صرعته سيوف المسلمين في بدر، لدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدد المواقع التي سيلقى فيها كل واحد من صناديد قريش حتفه فقال: هنا مصرع فلان، وهناك مصرع فلان. وقد أوضح صلى الله عليه وسلم تلك المواقع من قبل أن تبدأ المعركة، ونعلم أن الحرب تتطلب كرا وفرا، ولكن ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدث بالضبط. ويحدد الحق سبحانه نوعية هؤلاء المستهزئين بقوله: ﴿ الذين يجعلون مع الله... ﴾.
15.96
أي: أن هؤلاء المشركين الذين يهزءون بك لهم عذابهم ذلك أنهم أشركوا بالله سبحانه، وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ [الحجر: 96]. ففي هذا القول استيعاب لكل الأزمنة، أي: سيعلمون الآن ومن بعد الآن، فكلمة " سوف " تتسع لكل المراحل، فالحق سبحانه لم يأخذهم جميعا في مرحلة واحدة، بل أخذهم على فترات. فحين يأخذ المتطرف في الإيذاء قد يرتدع من يؤذي، ويتراجع عن الاستمرار في الإيذاء، وقد يتحول بعضهم إلى الإيمان فمن كانت شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم تصبح تلك الشدة في جانب الرسول صلى الله عليه وسلم. وها هو المثل واضح في عكرمة بن أبي جهل يصاب في موقعة اليرموك فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ويسأله: يا خالد، أهذه ميتة ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيرد خالد: " نعم ". فيسلم الروح مطمئنا. وهؤلاء المستهزئون قد أشركوا بالله فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوها مع الله شيئا، وحين يتأكد لهم ذلك فهم يتأكدون من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أبلغ عن الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولقد نعلم أنك... ﴾.