تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتأتي هذه الآية الكريمة التي يؤكد فيها سبحانه أنه يمكن لهم الذنوب ليمكن لهم العقوبة أيضا ويأتي قوله: ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ [إبراهيم: 42]. ونعلم أنه قد حدثت لهم بعض من الظواهر التي تؤكد قرب انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر وأسر كبراؤهم، وهكذا شاء سبحانه أن يأتي بالوعد أو الوعيد جاء بالأمر الذي يدخل فيه كل السامعين، وهو عذاب الآخرة إن ظلوا على الشرك ومقاومة الرسالة. و: ﴿ تشخص فيه الأبصار ﴾ [إبراهيم: 42]. يعني: تفتح بصورة لا يتقلب بها يمنة أو يسرة من هول ما يرى وقد يكون عدم تقلب البصر من فرط جمال ما يرى، والذي يفرق بينهما سيال خاص بخلق الله فقط وهو سبحانه الذي يخلقه. فحين ترى إنسانا مذعورا من فرط الخوف فسحنته تتشكل بشكل هذا الخوف، أما من نظر إلى شيء جميل وشخصت عيناه له، يصبح لملامحه انسجام ارتواء النظر إلى الجمال ولذلك يقول الشاعر:

جمال الذي أهواه قيد ناظري

فليت لشيء غيره يتحول

ويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين المستمتع بملامح الوجه المنبسطة أو المذعورة. ونعلم أن البصر ابن للمرائي فساعة تتعدد المرائي فالبصر يتنقل بينها ولذلك فالشخص المبصر مشتت المرائي دائما ويتنقل ذهنه من هنا إلى هناك. أما من أنعم الله عليهم بنعمة حجز أبصارهم - المكفوفين - فلا تشغله المرائي ولذلك نجدهم أحرص الناس على العلم فأذهانهم غير مشغولة بأي شيء آخر، وبؤرة شعور كل منهم تستقبل عن طريق الأذن ما يثبت فيها. ولذلك يقال عنهم " صناديق العلم " إن أرادوا أن يعلموا فلا أحد من الذين يتعلمون منهم يكون فارغا أبدا مثلة مثل الصندوق الذي لا يفرغ. ولا أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إلا الله فأنت لا تقول لنفسك " اغضب " أو " اضحك " لأنه هو سبحانه الذي يملك ذلك، وهو القائل:

وأنه هو أضحك وأبكى

[النجم: 43]. والضحك والبكاء مسائل قسرية لا دخل لأحد بها. ونجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن:

وإذ زاغت الأبصار..

[الأحزاب: 10]. فمرة تشخص الأبصار، ويستولي الرعب على أصحابها فلا يتحولون عن المشهد المرعب، ومرة تزوغ الأبصار لعله يبحث لنفسه عن منفذ أو مهرب فلا يجد. ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ أبصارهم، فيقول: ﴿ مهطعين مقنعي رءوسهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٣٨