تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المائدة: 47]. ويقول عمن يتغاضى عن تجريم صغيرة بما يناسبها من أحكام الدين:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 45]. وإذا وجد محكوم عليه، وهو واحد - بأحكام متعددة فالحكم متوقف على ما حكم به. وحين ننظر في مسألة الظلم هذه نجد أن الظالم يقتضي مظلوما، فإن كان الظلم - والعياذ بالله - هو ظلم القمة وهو الشرك بالله، فهذا الظلم ينقسم - عند العلماء - إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: وهو إنكار وجود الله وألوهيته دون أن ينسبها لأحد آخر وهذا هو الإلحاد، وهو ظلم في واجب وجوديته سبحانه. والنوع الثاني: هو الاعتراف بألوهية الله وإشراك آخرين معه في الألوهية، وهذا الشرك ظلم للحق في ذاتية وواحدية تفرده. والنوع الثالث: هو القول بأن الله مكون من أجزاء وهذا ظلم لله في أحدية ذاته. ويقول بعض العارفين: إن أول حق في الوجود هو وجوده سبحانه. ومنهم الشاعر الذي قال:

وأول حق في الوجود وجوده

وكل حقوق الكون منه استمدت

فلا هو جمع كما قال مشرك

ولا هو في الأجزاء يا حسن ملتي

والظلم الذي ورد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، هو ظلم القمة ظلم في العقيدة الإلهية، ومعه ظلم آخر هو ظلم الرسول صلى الله عليه وسلم. ويلخص الشاعر ظلمهم للرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:

لقبتموه أمينا في صغر

وما الأمين على قول بمتهم

وهم قد سموا الرسول من قبل الرسالة بالأمين وبعد الرسالة نزعوا منه هذا الوصف، وكانوا يصفونه قبل الرسالة بالصادق، ولم يقولوا عنه مرة قبل الرسالة إنه ساحر، ولم يتهموه من قبل الرسالة بالجنون.

فكيف كانت له أوصاف الصدق والنطق بالحق والتحدث عن رجاحة قدرته في الحكم؟ كيف كانت له تلك الصفات قبل الرسالة وتنزعونها منه من بعد الرسالة؟ إن هذا هو ظلم سلب الكمال، فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم كمال قبل أن يرسل فظلمتموه بعد الرسالة وأنكرتم عليه هذا الكمال وهو ظلم مزدوج. فقد سبق أن اعترفتم له من قبل الرسالة بالأمانة ولكن من بعد الرسالة أنكرتم أمانته، وكان صادقا من قبل الرسالة وقلتم إنه غير صادق بعدها. ولم تكن له صفة نقص قبل الرسالة فجئتم أنتم له بصفة نقص كقولكم: ساحر كاهن مجنون، وفي هذا ظلم للرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا أيضا ظلم للمجتمع الذي تعيشون فيه، لأن من يريد استمرار الاستبداد بكلمة الكفر، ويريد أن يستمر في السيادة والاستغلال والتحكم في الغير فكل ذلك ظلم للمجتمع وفوق ذلك ظلم للنفس لأن من يفعل ذلك قد يأخذ متعة بسيطة ويحرم نفسه من متعة كبيرة هي متعة الحياة في ظل منهج الله، وينطبق عليه قول الحق الرحمن:

وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

[النحل: 118]. وفوق ظلم النفس وظلم المجتمع هناك ظلم يمارسه هذا النوع من البشر ضد الكون كله فيما دون الإنسان من جماد وحيوان ونبات ذلك أن الإنسان حين لا يكون على منهج خالقه والكون كله مسخر لمنهج الخالق فلن يرعى الإنسان ذلك في تعامله مع الكون، وسبحانه القائل:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده..

[الإسراء: 44]. حين يسبح كل ما في الكون يشذ عن ذلك إنسان لا يتبع منهج الله فالكون كله يكرهه، وبذلك يظلم الإنسان نفسه ويظلم الكون أيضا. وهكذا عرفنا ظلم القمة في إنكار الألوهية أو الشرك به سبحانه، أو توهم أنه من أجزاء، وظلم نزع الكمال عن الرسول وهو الواسطة التي جاءت بخبر الإيمان وظلم الكون كله لأن الكون بكل أجناسه مسبح لله. وقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.. ﴾ [إبراهيم: 42]. نجد فيه كلمة " يعمل ". ونعلم أن هناك فرقا بين " عمل " و " فعل " ، والفعل هو أحداث كل الجوارح، ما عدا اللسان الذي يقال عن حدثه " القول ". فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسما وحدث اللسان يأخذ اسما بمفرده، ذلك أن الذي يكب الناس على مناخرهم في النار إنما هو حصائد ألسنتهم، والفعل والقول يجمعهما كلمة " عمل ". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه " يعمل " ، ذلك أن المشركين الذين استقبلوا القرآن كانوا يرجفون بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام وكل الأفعال التي قاموا بها نشأت عن طريق تحريض بالكلام.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٣٧