" وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
وحين تنظر إلى الصلاة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما ذلك أن مصالح الحياة قد جمعها صلى الله عليه وسلم في الأركان الخمس للدين، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وعرفنا من قبل كيف أخذت الصلاة كل هذه الأركان مجتمعة ففيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها تضحية وتزكية ببعض الوقت وفيها صوم عن كل ما تلتزم به وأنت صائم وأنت تتوجه خلالها إلى قبلة بيت الله الحرام. وهكذا نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم المصلحة لها بالصلاة والزكاة. ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سرا وعلانية، وهكذا يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين فالإنفاق سرا كي لا يقع الإنسان فريسة المباهاة والإنفاق علنا كي يعطي غيره من القادرين أسوة حسنة، ولكي تمنع الآخرين من أن يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغيرة مما أفاء الله عليك من خير.
ولذلك أقول: اجعل الصدقة التطوعية سرا، واجعلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تعلم شمالك ما أعطت يمينك ".
واجعل الزكاة علانية حتى يعلم الناس أنك تؤدي ما عليك من حقوق الله وتكون بالنسبة لهم أسوة فعلية، وعظة عملية، واجعلوا من أركان الإسلام عظة سلوكية، فنحن نرى بعضا من القرى والمدن لا يحج منها أحد، لأن القادرين فيها قد أدوا فريضة الحج. ونجد أن القادر الذي يبني مسجدا يعطي القادر غيره أسوة ليبني مسجدا آخر، وما أن يأتي رمضان حتى يصوم القادرون عليه ويعطوا أسوة لصغارهم، وتمنع الاستخذاء أمام الغير، وهكذا نعلن كل تكاليف الإسلام بوضوح أمام المجتمعات كلها. ويقول الحق سبحانه: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ [إبراهيم: 31]. ومن هنا نعلم أن هناك أعمالا يمكن أن تؤجلها، إلا الغايات التي لا توجد فيها أعواض فعليك أن تنتهز الفرصة وتنفذها على الفور ذلك أن اليوم الآخر لن يكون فيه بيع أو شراء، ولن يستطيع أحد فيه أن يزكي أو يصلي فليست هناك صداقة أو شفاعة تغنيك عما كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا. والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سرا وعلانية من قبل أن يأتي اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال. والبيع - كما نعلم - هو معارضة متقابلة فهناك من يدفع الثمن وهناك من يأخذ السلعة. والخلال هو المخالة أي: الصديق الوفي الذي تلزمه ويلزمك. والشعر يبين معنى كلمة " خليل " حين يقول:
لما التقينا قرب الشوق جهده
خليلين ذابا لوعة وعتابا
كأن خليلا في خلال خليله
تسرب أثناء العناق وغابا
وهذا يوضح أن المخالة تعني أن يتخلل كل منهما الآخر. وفي الآخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار ولا مخالة هناك بحيث يفيض عليك صديق من حسناته. والحق سبحانه هو القائل:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وبعض السطحيين يريدون أن يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخلة ونفاها فهو القائل: ﴿ لا بيع فيه ولا خلال ﴾ [إبراهيم: 31]. وهو القائل:
ولا خلة..
[البقرة: 254]. ثم أثبت الخلة للمتقين الذين لا يزين أحدهما للآخر معصية. وهؤلاء السطحيون لا يحسنون تدبر القرآن ذلك أن الخلة المنفية - أو الخلال المنفية - في الآيات هي الخلال التي تحض على المعاصي وهذه هي الخلال السيئة. ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون مقابلة سلعة بثمن أما المخالة ففيها تكرم ممن يقدمها وهو أمر ظاهري لأن في باطنه مقايضة فإذا قدم لك أحد جميلا فهذا يقتضي أن ترد له الجميل أما التكرم المجرد فهو الذي يكون بغير سابق أو لاحق. وبعد أن بين لنا الحق سبحانه السعداء وبين الأشقياء، وضرب المثل بالكلمة الطيبة، وضرب المثل بالكلمة الخبيثة، يأتي من بعد ذلك بما يهيج في المؤمن فرحة في نفسه لأنه آمن بالله الذي صنع كل تلك النعم، ويذكر نعما لا يشترك فيها مع الله أحد أبدا، فيقول: ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض... ﴾.