تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين..

[الزخرف: 71]. ويشرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية، فيقول:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

والعين وسيلة إدراك وحس وكذلك الأذن، أما ما لا يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أو الوهم. وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال ليوجز لنا ما يشرح ويوضح بأشياء قريبة من الفهم البشري. وأنت حين تريد أن تكتب لصديق فقد تمسك الورقة والقلم وتدبج رسالة طويلة ولكن إن كنت تملك وقتك فستحاول أن تركز كل المعاني في كلمات قليلة. وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة 1919 المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطر له رسالة في خمس صفحات وأنهاها: " إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب، فلم يكن عندي وقت للإيجاز " وذلك لأن من يوجز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة. وحين طلب أحد القادة المسلمين النصرة من خالد بن الوليد وكان القائد الذي يطلب المساعدة محاصرا وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين " إياك أريد " ، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب إيصاله إلى من ينجده، بإيجاز شديد.

والشاعر يقول:

إذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرف العود

أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس فالحق سبحانه يتيح لها لسان حاسد حاقد ليثرثر وينقب لتظهر وتنجلي مثلما يوضع خشب العود - وهو من أرقى ألوان البخور - في النار، فينتشر عطره بين الناس. وهكذا ضرب الشاعر المثل ليوضح أمرا ما للقارئ أو السامع. ويقول الشاعر ضاربا المثل أيضا:

وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله

وأطال فيه فقد أطال هجاءه

لو لم يقدر فيه بعد المستقى

عند الورود لما أطال رشاءه

والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحدا لفترة طويلة، فهذا يعني الرفعة والمجد للممدوح. ولكن حين يقرأ أحد قول هذا الشاعر قد يتعجب ويندهش، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريبا في البئر لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير ولكن إن كان الماء على بعد مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلا طويلا لينزل الدلو إلى الماء. وهذا يعني أن طول المدح إنما يعبر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل ولو كان الممدوح كريما حقا لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه. وهكذا يكون ضرب المثل توضيحا وتقريبا للذهن. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ [إبراهيم: 25]. والتذكر معناه أن شيئا كان معلوما بالفطرة ولكن الغفلة طرأت فيأتي المثل ليذكر بالأمر الفطري. وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بيانا لحال أهل القرب من الله والود معه واتباع منهجه، أراد ان يذكر لنا المقابل، وهو حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الله، وعن منهجه، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ ومثل كلمة خبيثة كشجرة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩١٢