. } [إبراهيم: 25]. فمنهم من قال: إن " الحين " يطلق على اللحظة مثل قول الحق سبحانه:
فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون
[الواقعة: 83-84]. وقال مفسر آخر: إن " الحين " يقصد به الصباح والمساء، والحق سبحانه هو القائل:
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون..
[الروم: 17]. وأقول: فلننتبه إلى أن " الحين " هو الوقت الذي يحين فيه المقدور فإذا كان الحين هو لحظة بلوغ الروح إلى الحلقوم فهذه اللحظة هي المراد ب " الحين " هنا، وإذا كان المقصود بها زمنا أطول من ذلك صباحا أو مساء فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين. والحق سبحانه هو القائل:
والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس..
[البقرة: 177]. والبأس يعني الحرب ومدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق سبحانه:
ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين
[الأعراف: 24]. وهكذا يكون معنى " الحين " هنا هو الأجل غير المسمى الذي يمتد إلى أن تتبدل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا يوجد توقيت محدد المدة يمكن أن نحدد به معنى " حين ". ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ [إبراهيم: 25]. وضرب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير أو بشيء جلي ليدل على شيء خفي ليقرب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي مدركات الحس من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك. وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي فالإنسان يتجاوز مرحلة الحس إلى المعلومات المعنوية فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله. والحق سبحانه لا يستحي - كما قال - أن يضرب مثلا بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يقل " وما تحتها "؟ ونقول لمن يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية لذلك لم تستقبل القرآن بالملكة العربية ذلك أن المثل يضرب بالشيء الدقيق وما فوق الدقيق هو الأدق. والحق سبحانه يضرب لنا المثل للحياة الدنيا، وهي الحياة التي من لدن خلق الله للإنسان ذلك أنه كانت هناك أجناس أخرى قبل الإنسان، وهو سبحانه هنا يوضح لنا بالمثل ما يخص الحياة من لحظة خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال أجيال - ويعطيها لنا في صورة مثل موجز، فيقول لنا:
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا
[الكهف: 45]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح.
وأيضا يقول الحق سبحانه:
اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما..
[الحديد: 20]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطولها وعرضها في هذا المثل البسيط لنرى ما يوضح لنا المعاني الخفية في صورة محسة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يدرك ما يريده الله منها. ونعلم أن المحسات تدرك أولا بعض الأشياء ثم ترتقي إلى مرتبة التخيل ثم يأتي التوهم فمراحل الإدراك للأشياء الخفية هي الحس أولا ثم التخيل ثانيا ثم التوهم ثالثا. والتخيل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج وإن كانت مكونة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج. والمثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أن يصف الوشم على يد حبيبته، فقال:
خوض كأن بنانها
في نقشه الوشم المزرد
سمك من البلور في
شبك تكون من زبرجد
وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر لن تجدها موجودة في الواقع ولكن الشاعر أوجدها من مكونات ومفردات موجودة في الواقع فالسمك موجود ومعروف والبلور موجود ومعروف وكذلك الشبك والزبرجد، وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل، وهذا هو الخيال الذي يقرب المعنى. والتوهم يختلف عن الخيال فإذا كان التخيل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا الواقع فالتوهم هو صورة غير موجودة في الواقع، ومكون من مفردات غير موجودة في الواقع. والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: