وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. وفي هذا القول استكبار على الإيمان، وكأنهم يعدلون على الله - والعياذ بالله - مشيئته وواسع علمه الذي يختار به الرسل. أو: أنهم قد استكبروا على أنفسهم فلم يؤمنوا أو: أنهم قد استكبروا على الأتباع بما لهم من جاه ونفوذ فلم يقدر الأتباع على مخالفتهم لذلك يقول لهم الأتباع لحظة تساوي الرؤوس: ﴿ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ﴾ [إبراهيم: 21]. وهذا تقريع وخزي وفضيحة للتابع. ونعلم أن الحق سبحانه قال في موقع آخر من القرآن على لسان التابعين:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا
[الأحزاب: 67-68]. وقد عرض الحق سبحانه هذه المسألة علينا لنتعلم من البداية كيف يكون ميزان التبعية؟ وإياك أن تتبع في أمر إلا إذا اقتنعت أنه يأتي لك بخير، وأنه يدفع عنك الشر، ولينتبه كل منا جيدا ولا يعطي زمام قيادة حركة الحياة إلا عن بينة. وليتذكر كل منا قوله الحق:
كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين
[الحشر: 16]. فحين يأتيك أمر مخالف لمنهج الله عليك أن تعلي منهج الله فوق كل أمر. وقد أوضح لنا الحق سبحانه ذلك كي ننتبه جيدا فلا نلقي زمام أمورنا لمن نتبع إلا بروية وبحكمة أيدلنا على خير أم يدلنا على شر وهل يستطيع أن يدرأ عنا الشر، وأن ينجينا من الإصابة بمكروه؟ فليكن كل منا على بينة من أمره، وقد قال الحق سبحانه في سورة الرحمن:
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 16]. والآلاء هي النعم ومن أرقى النعم هي تلك القيم التي أوضحها لنا الحق سبحانه لنسير على هداها في الحياة الدنيا كي لا نقبل على الحياة بجهالة بل بتوضيح وتبيان لكل شيء.
وهكذا يجب أن يتصرف التابع مع المتبوع كي لا يقف في موقف الخزي المشترك بين الاثنين في يوم الحساب حيث يقول التابعون للمتبوعين: ﴿ إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء.. ﴾ [إبراهيم: 21]. وهذا القول القرآني يتكلم به رب العالمين وكل حرف فيه لهدف ومعنى. وقوله: ﴿ من عذاب الله من شيء.. ﴾ [إبراهيم: 21]. يعني أنهم لن يقدروا أن يخففوا ولو جزء بسيطا من عذاب الله، وكأنهم يسهلونها عليهم، فيطلبون منهم أن يتحملوا أو أن يخففوا عنهم ولو جزء بسيطا من العذاب. والمثل على ذلك حين يطلب إنسان من آخر جنيها فيقول له: ليس معي غيره، فيرد الطالب: إذن أعطني بعضا منه، وكأنه يطلب ولو ربعه أو عشرة قروش منه. هكذا قال الذين اتبعوا لمن اتبعوهم فماذا يكون الرد من هؤلاء الذين تأبوا على الله إيمانا به ها هم يردون على من سألوهم أن يخففوا ولو جزءا قليلا من العذاب: ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾ [إبراهيم: 21]. وهكذا يتكشف كذبهم فهم يدعون أن معنى الهداية هو أن يهبهم الله الإيمان متناسين أن معنى الهداية هو الدلالة الموصلة إلى الغاية. ولنا في قول الحق سبحانه ما يوضح المعنى:
والذين اهتدوا زادهم هدى..
[محمد: 17]. فمن يقبل على الإيمان بصدر منشرح يجد كل سبل الخير أمامه أما من كفر فكيف يهديه الله، وهو قد استحب العمى على الهدى؟ لن يجد بطبيعة الحال أية هداية. ويقول الكافرون ذلك لمن اتبعوهم في يوم الحشر ذلك أنهم يرون رأي العين أن الجنة حق والنار حق، والحساب حق لذلك يعترفون أمام من اتبعوهم في الدنيا بأن الحق سبحانه لو أخذ بيدهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان لقدناكم إلى هذا الإيمان وهم في ذلك أصحاب رأي مغلوط. وذلك قولهم: ﴿ لو هدانا الله لهديناكم.. ﴾ [إبراهيم: 21]. ونعلم أن الإنسان إذا ما وقع في مأزق أقوى من قدراته: ولا فجوة فيه للنجاة فهو يستقبل هذا المأزق بأحد استقبالين الاستقبال الأول: أن يجزع ويتضرع والاستقبال الثاني: أن يصمد ويصبر. وهنا نجد الكافرين يقولون: ﴿ سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾ [إبراهيم: 21]. أي: أنهم سواء جزعوا وتضرعوا أو صبروا وصمدوا فلن ينجيهم الله مما هم فيه فلا مهرب ولا منجى. و " حاص " في المكان أي: ذهب إلى هنا أو هناك، ولا يجد راحة ونجد في تعبيرنا العامي ما يصور ذلك وهو قولنا " فلان حايص " أي: لا يجد مكانا يرتاح فيه.