وهل هناك صالح يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبي مرسل؟ نقول: إن كلمة " الصالحين " تضم الأنبياء وغيرهم من الذين آمنوا برسالة السماء. وهكذا انتهت قصة يوسف عليه السلام ولذلك يتجه الحق سبحانه من بعد تلك النهاية إلى المراد من القصة التي جاءت مكتملة في سورة كاملة، غير بقية قصص القرآن التي تتناثر أي منها في لقطات متفرقة بمواقع مختلفة من القرآن الكريم. وذلك باستثناء قصة نوح التي جاءت مكتملة أيضا، لدرجة أن بعض السطحيين قالوا " إن هذا تكرار للقصة في لقطات مختلفة " ودائما أقول ردا على ذلك: إنه تأسيس للقطات إن اجتمعت جاءت القصة كاملة. وشاء الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة لأن كل لقطة إنما جاءت لمناسبة ما، وكل القصص القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خلال عمره الرسالي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاما تعرض لأحداث جسام. وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت، فينزل الحق سبحانه ما يثبت به فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم فيوضح له في موقع ما: لا تحزن لأن من سبقك من الرسل حدث معهم كذا. بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتين، مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون. قال الحق سبحانه:
فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا..
[القصص: 8]. وهنا تكون العداوة من طرف موسى. ويقول في نفس المسألة أيضا:
يأخذه عدو لي وعدو له..
[طه: 39]. وهنا تكون العداوة من جهتين لأن العداوة تتفاعل حين تكون من جهتين، فلا يمكن أن يستمر عداء من طرف واحد، وتقوم من أجل هذا العداء معركة، لكن حين تكون العداوة من جهتين فهذا يطيل أمد المعركة. والمثل الثاني هو قول الحق سبحانه في نفس قصة موسى وهي لقطة متقدمة حدثت في الأيام الأولى من حياة موسى، وقبل أن تلقيه أمه في اليم فقد مهد الله لها الأمر. يقول الحق سبحانه عن ذلك:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني..
[القصص: 7]. وهذا شحذ لهمتها قبل الحادث، وتنبيه لها من قبل أن يقع، ولحظة أن جاء الحادث نفسه أوحى لها الحق سبحانه:
أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له..
[طه: 39]. والذين قالوا: إن قصص القرآن جاء مبعثرا، قد نسوا أن قصة نوح جاءت في موقع واحد، وجاءت سورة يوسف محبوكة من أول الرؤيا إلى تولي الملك، وجمع شمل العائلة. ونزلت القصة في سورة واحدة بعد أن سألوا عنها وهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، ولم يقرأ في كتاب، وتاريخه معروف بالنسبة لهم، وحين يأتي لهم موضحا أن الحق سبحانه قد أنزل عليه، فكذبوه وادعوا أنه يسمع لقطة من هنا ولقطة من هناك. حين سألوه أن يأتي بقصة يوسف جاء بها كاملة من أولها إلى آخرها. ويقول الحق سبحانه في نهاية القصة: ﴿ ذلك من أنبآء الغيب... ﴾.