قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
[يوسف: 92]. وقالها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم لأهله يوم فتح مكة:
" اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
هكذا تمتلىء سورة يوسف بعبر متناهية، يتجلى بعض منها في قضية دخوله السجن مظلوما، ثم يأتيه العفو والحكم لذلك فهي أحسن القصص إما لأنها جمعت حادثة ومن دار حولها من أشخاص، أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث.
أو: أنها أحسن القصص في أنها أدت المتحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة، وجاء على لسان محمد الأمي، الذي لا خبرة له بتلك الكتب لكن جاء عرض الموضوع بأسلوب جذاب مستميل مقنع ممتع. أو: أنها أحسن القصص لأن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطات متعددة تساير: العمر الزمني والعمر العقلي والعمر العاطفي للإنسان في كل أطواره ضعيفا مغلوبا على أمره وقويا مسيطرا، ممكنا من كل شيء. بينما نجد أنباء الرسل السابقين جاءت كلقطات موزعة كآيات ضمن سور أخرى وكل آية جاءت في موقعها المناسب لها. إذن: فالحسن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن المعجز الذي لا يستطيع واحد من البشر أن يأتي بمثله. يقول الحق سبحانه: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ [يوسف: 3]. والمقصود بالغفلة هنا أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا، ولم يعرف عنه أحد قبل نزول القرآن أنه خطيب أو شاعر، وكل ما عرف عنه فقط هو الصفات الخلقية العالية من صدق وأمانة وهي صفات مطلوبة في المبلغ عن الله فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يبلغ عن السماء رسالتها لأهل الأرض؟ إن الكذب أمر مستبعد تماما في رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها. والمثال على تصديق الغير لرسول الله هو تصديق أبي بكر رضي الله عنه له حين أبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي قد نزل عليه، لم يقل له أكثر من أنه رسول من عند الله، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: صدقت. وحين حدثت رحلة الإسراء وكذبها البعض متسائلين: كيف نضرب إليها أكباد الإبل شهرا ويقول محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال أبو بكر: ما دام قد قال فقد صدق. وهكذا نجد أن حيثية الصدق قبل الرسالة هي التي دلت على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من وحي. مثال ذلك: تصديق خديجة رضي الله عنها وأرضاها له حين أبلغها بنزول الوحي، فقالت له: " والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ". وكان في صدق بصيرتها، وعميق حساسية فطرتها أسباب تؤيد تصديقها له صلى الله عليه وسلم في نبوته. وحين وقعت بعض الأمور التي لا تتفق مع منطق المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات كانت بعض العقول المعاصرة لرسول الله تقف متسائلة: كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر: " انتبهوا إنه رسول الله ".
مثال هذا: ما حدث في صلح الحديبية، حين يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - متسائلا - ويكاد أن يكون رافضا لشروط هذا الصلح -: ألسنا على الحق؟ علام نعطي الدنية في ديننا؟ ويرد عليه أبو بكر - رضي الله عنه -: استمسك بغرزه يا عمر، إنه رسول الله. أي: انتبه واعلم أنك تتكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك انصياع أعمى بل هي طاعة عن بصيرة مؤمنة. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ [يوسف: 3]. والغافل: هو الذي لا يعلم - لا عن جهل، أو قصور عقل - ولكن لأن ما غفل عنه هو أمر لا يشغل باله. أو: أن يكون المقصود بقوله: ﴿ لمن الغافلين ﴾ [يوسف: 3]. أي: أنك يا محمد لم تكن ممن يعرفون قصة يوسف لأنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من كتاب، ولم تجلس إلى معلم يروي لك تلك القصة، ولم تجمع بعضا من أطراف القصة من هنا أو هناك. بل أنت لم تتلق الوحي بها إلا بعد أن قال بعض من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة: اسألوه عن أبناء يعقوب وأخوة يوسف لماذا خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟ وكان ضربا من الإعجاز أن ينزل إليك يا رسول الله هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة، كدليل عملي على أن معلم محمد صلى الله عليه وسلم هو الله، وأنه سبحانه هو من أوحى بها إليه. والوحي - كما نعلم - هو الإعلام بخفاء، وسبحانه يوحي للملائكة فيقول: