34.16
﴿ فأعرضوا ﴾ أي: عن الشكر ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ أي سيل الأمر العرم، أي: الصعب والمطر الشديد - أو الوادي - أو السكر الذي يحبس الماء - أو هو البناء الرصين المبني بين الجبلين لحفظ ماء الأمطار وخزنها، وقد ترك فيه أثقاب على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا أهلكهم الله بخراب هذا البناء، فانهال عليهم تيار مائه، فأغرق بلادهم وأفسد عمرانهم وأرضهم، واضطر من نجا منهم للنزوح عنها. كما قال تعالى: ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ أي: ثمر مر، أو بشع لا يؤكل ﴿ وأثل ﴾ شجر يشبه الطرفاء من شجر البادية لا ثمر له ﴿ وشيء من سدر قليل ﴾ وهو شجر النبق. أي: قلة لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا تبديل النعم بالنقم، لمن لم يشكر النعم، كما قال تعالى:
﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل... ﴾.
34.17
﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور ﴾ أي: بشكر النعم، أو باتباع الرسل وتكذيب الحق والعدول إلى الباطل، ثم بين تعالى ما كانوا فيه من النعمة، والغبطة والعيش الهني والبلاد الآمنة والقرى المتواصلة، بقوله سبحانه:
﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا... ﴾.
34.18
﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ أي: بالزروع والثمار وحسن العمران وهي قرى بصفاء، كما قاله مجاهد وسعيد بن جبير ومالك وغيرهم ﴿ قرى ظاهرة ﴾ أي: متواصلة، يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو ظاهرة للمسافرين لا تبعد عن مسالكهم ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ أي: جعلنا بين قراها مقادير متساوية، فمن سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة، ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب، فلا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية، ولا يخاف من عدو ونحوه ﴿ سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ﴾ أي: لا تخافون في الليل أو النهار، أو وإن تطاول أمد سفركم فيها وامتد، فلا ترون إلا الأمن، والأمر على تقدير القول بلسان المقال بواسطة نبي ونحوه، أو بلسان الحال، كأنهم لما تمكنوا منه جعلوا مأمورين به، فالأمر للإباحة. وفي (في) إشعار بشدة القرب، حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى.